من القاعة النسائية - الشركات المساهمة
- نشر في اقتصادية
- قيم الموضوع
- قراءة: 1146 مرات
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
تحدثنا في حديثنا السابق عن لمحات من زيارة بطرس الناسك في القرن الحادي والعشرين، واليوم نتحدث بتفصيل أكبر عن بعض ما جاء في خطابه الموجه للمسلمين والذي طلب فيه فتح صفحة جديدة للعلاقات مع المسلمين.
إن أول ما يهمنا في هذا الأمر هو الموقف من قضية فلسطين وكيان يهود المغتصب الذي أقامه الصليبيون في بلاد المسلمين، فنقول إنه قد أصر في خطابه على نقطتين رئيسيتين هما: وقف الاستيطان وإقامة دولة فلسطينية على بقعة من الأرض يتصرف بها يهود على أهل فلسطين، وتناسى سيادته أللاجئين وعودتهم إلى ديارهم التي أخرجوا منها ظلما ً وعدوانا ً.
ونحن نقول: لا يا سيادة الرئيس! إن قضية فلسطين ليست مستوطنات أو إقامة دولة مسخ ميتة لا حياة فيها.
إن قضية فلسطين هي قضية زرع كيان غاصب عميل للصليبية الحاقدة فيها، هذا الكيان الذي يخدم مصالح الصليبيين والصليبية وعلى رأسهم أمريكا في الحفاظ على تجزئة المسلمين وتركيعهم وإشغالهم عن قضيتهم المصيرية الكبرى ألا وهي إعادة وحدة المسلمين في ظل خلافة راشدة بشر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
نعم، إن القضية تكمن في القضاء على هذا الكيان الغريب المزروع في جسم الأمة الإسلامية، وفي بقعة من أقدس بقاع الأرض.
هذه هي القضية: أن تزول دولة إسرائيل من الوجود وهي زائلة بإذن الله -تعالى-.
أما التلويح لأهل فلسطين بدويلة في بقعة من الأرض فهو استخفاف بالعقول وافتراض السذاجة في المسلمين، فالأمر لا يعدو أن يكون مثل من يعد طفلا ً بقطعة حلوى إن هو جلس ساكتا ً لا يحرك ساكنا ً، فهذا الأمر لا ينطلي على المسلمين وخصوصا ً الواعين منهم.
نحن نعلم أن حل الدولتين هو مشروع أمريكا منذ قرار التقسيم الذي صدر عام 1947م وهو ما تسعى إليه أمريكا منذ ذلك الوقت، لكننا نطمئنك يا سيادة الرئيس أن هذا الحل مرفوض مرفوض من أصحاب القضية وهم المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.
إن المسلمين وهم أمة الجهاد في سبيل الله يتحرقون شوقا ً للجهاد في فلسطين للقضاء على دولة يهود، وهم -أي المسلمون- ينتظرون فقط القائد المؤمن المخلص الذي يرفع راية الجهاد لتخليص البلاد الإسلامية من دنس اليهود وغيرهم من المحتلين الصليبيين.
ولا يغرنك يا سيادة الرئيس ما تسمعه من حكام رويبضات وصبية سياسة في فلسطين، فإن هؤلاء لا يمثلون أحدا ً حتى ولا أنفسهم، لأنهم وقفوا في فسطاط أعداء الله ورسوله وجماعة المسلمين.
نعم، إنهم ليسوا حكاما ً للمسلمين يرعون مصالح... ويسوسونهم بشرع الله، وإنما هم عملاء لكم وللصليبيين والصليبية يجثمون على صدر الأمة يذيقونها ألوان العذاب ويزجون بأحرارها السجون والمعتقلات وأقبية المخابرات والاستخبارات حتى تهدأ بلاد المسلمين وتلين وتدين لكم بالولاء.
أما الموضوع الآخر الذي جئت تبشر به فهو الديمقراطية وسيادة القانون وحرية الفكر والمعتقد, وإنني لأعجب وأتساءل عن أي ديمقراطية وسيادة القانون وغير ذلك تتحدثون، أهي ديمقراطية الطائفية والفتنة التي أحياها رجالكم في العراق، فقبل دخولكم الآثم واحتلالكم الغادر للعراق لم يكن يعرف للطائفية وجودا ولا يعلو لها أي الطائفية صوت، فإنها نمت وترعرعت تحت رعايتكم وبتشجيعكم وأوجدتم الاقتتال الطائفي والتناحر المذهبي في العراق كل هذا حتى تستطيعوا حكم العراق لنهب خيراته وسرقة ثرواته وتدميره تدميرا ً تاما ً حتى أصبح يعيش ما قبل التاريخ.
أما سيادة القانون يا سيادة الرئيس فقد رأيناها في أبو غريب وجوانتانامو وفي سجن باغرام بأفغانستان وفي السجون السرية لوكالة المخابرات الأمريكية وسجون عملائكم في المغرب وسوريا والأردن وباكستان ودول شرق أوروبا.
نعم يا سيادة الرئيس فقد تمثلت سيادة القانون في هذه السجون وفي قتل مئات الآلاف من أهل العراق وتشريد الملايين في جهات الأرض الأربع.
ماذا نقول يا سيادة الرئيس عن سيادة القانون أكثر مما قلنا وما قلناه إنما هو نقطة من بحر من تعسفكم وإجرام جنودكم وساستكم الذي مارستموه وتمارسونه في العراق ومن قبله في فيتنام وغيرهما من بقاع الأرض.
لقد اعترفتم يا سيادة الرئيس بخطئكم في غزو العراق واحتلاله وماذا يفيد الاعتراف يا سيادة الرئيس؟ فهل سيرجع هذا الاعتراف إلى العراق أبناءه الذين قتلوا أو شردوا تحت كل كوكب؟ وهل سيرجع هذا الاعتراف إلى العراق ازدهاره الذي فقده وتحطم تحت نعال جيوشكم الغازية؟ وماذا يفيد هذا الاعتراف؟ فقد قتلتم آلاف العلماء الذين كان العراق يفخر بهم في كافة المجالات، فبعد أن كان كعبة المرضى يذهبون إلى العراق فيجدون أمهر الأطباء الذين يقومون على علاجهم وأرقى المستشفيات تستقبلهم بينما اليوم يموت المريض ولا يجد طبيبا ً يعالجه بعد أن قتل الكثير وهاجر إلى خارج العراق أيضا ً الكثير.
إن الاعتراف بالذنب يقتضي التعويض عن كل من تضرر من الاحتلال والغزو الأمريكي الصليبي الحاقد، وقبل التعويض إرجاع ما نهب من ثروات وما سرق من خيرات.
وختام هذا الحديث نقول لك يا سيادة الرئيس إننا لسنا أغبياء ودماؤنا ليست بالرخيصة وثرواتنا عزيزة ونعرف كيف نستردها ونثأر لدمائنا ونثأر لدماء أبطالنا ولنا مع ومع خطاب وقفة أخرى إن شاء الله تعالى في حديث قادم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم، أبو محمد الأمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين سيدنا محمد عليه وعلى آله وأصحباه أجمعين .
إن كثيراً من الناس لفاسقون، يعرفون الحق مثلما يعرفون أنفسهم وأبناءهم إلا أنهم يتعامون، ويتجاهلون، ويصرون على الباطل، ويستمسكون بالضلال، يؤثرون متاع الدنيا وزخرفها، وصحبة أرذال الناس، وموالاة ألد الأعداء من الكافرين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، هؤلاء الخلق ممن أعطاهم الله نعمة الملك، وأمانة الحكم، وخزائن الأموال، وقوة السلطان، هم العدو، والخصم الألد، ومعهم أشياعهم وأتباعهم من العلماء، علماء السلاطين الذي لا يفارقون أبواب أسيادهم، ولا يهجرون مجالسهم، يقرؤون ما في قلوبهم بما يرونه على صفحات وجوه أسيادهم، فيلبون طائعين بما يخطر ببال أولياء نعمتهم يفتون، ويخضعون آيات الله في كتابه العزيز بما يطيب لهم، وتهدأ به جوارحهم، وإن كان الأمر واضحاً جلياً في تحريمه وتقبيحه ولا يحتاج إلى بينة أو فتوى.
أيها المسلمون: فمن فرعون الطاغية، هذا اللقب الذي يطلق على عتل متكبر جبار، على ظالم.
من فرعون وأذنابه المجرمين، وأشياعه المرتزقة السحرة الفاسدين، أمثال هامان وقارون، ومن كل على شاكلتهم إلى حكام العصر، عصر الجاهلية في القرن الحادي والعشرين، دعاة العلمانية والإلحاد، دعاة الديمقراطية والقومية، موالي الغرب والشرق من اليهود والنصارى من المغضوب عليهم ومن الضالين.
حكام العصر من عرب وعجم يبيعون شعوبهم برضى أسيادهم، يتاجرون بأعراض بني جلدتهم من أجل المقعد والمنصب، إرضاء لشهواتهم واسترضاءا لأسيادهم ويتآمرون ويدسون ويتجسسون لتبقى عروشهم، وتضنك شعوبهم، ففرعون الطاغية يقتل أبناء قومه ويستحيي نساءهم ويصد عن موسى ودعوته، يتوعده بالتنكيل والقتل، إلا أن القدر لم يمكنهم من الغلبة وقهر موسى ومن آمن معه.
إن فرعون في بطشه وجهله، في كفره واستكباره أقل أذى، وأخف قمعاً من كثير من حكام المسلمين في هذا القرن الظالم أهله.
كثير من حكام المسلمين قتلوا بأيديهم المئات والآلوف من أبناء المسلمين بسلاح أعدائهم لا لسبب إلا أنهم مسلمون، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله ويحملون دعوة الله لنهضة الأمة والارتقاء بعباد الله.
كم هجمة مسعورة بالطائرات والصورايخ، هدمت آلاف البيوت من بيوت المسلمين على رؤوسهم، ومن خرج حياً ماتوا في جراحهم، وجوعة بطونهم وعري أجسادهم، والجيوش مكبلة قاعدة في نواديهم، من غير حس وطني ولا إسلامي ولا قومي.
وما زالت قضايا المسلمين بأيدي مجلس الأمن، والجمعية العمومية، وشفقة جمعيات حقوق الإنسان والطفل والمرأة.
ما أكثر شباب المسلمين، وشيوخ المسلمين وأموال المسلمين، زبد يذهب جفاء وما أكثر أموال المسلمين، نهب وسلب وخدمة لأعداء المسلمين.
فراعنة الماضي لم يمتلكوا ولم يعرفوا وسائل القمع والتنكيل والقهر، وعيبهم أنهم لم يقروا بخالق الكون، أما فراعنة العصر في القرن العشرين يعرفون الحق، ويعرفون العدو، ويدركون الحق، ويؤمنون بخالق الكون، ومع هذا وقفوا بكل ما أوتوا من قوة ووسيلة وصيلة في وجه الحق، ووصفوا دعاة الحق بالمتطرفين، وصفوا الحق بالإرهاب، فشنوا حقدهم وحربهم على الإسلام وأتباعه، وآثروا العلمانية القبيحة والديمقراطية الزائفة على الإسلام المبدأ العظيم، الذي فيه استنقاذ للبشرية كلها من ظلم الطواغيت وعبادة الرأسمالية، هذا النظام الذي أهلك العباد ونشر الفساد.
فراعنة الماضي يلتقون مع فراعنة العصر وان اختلفت الهويات والوجوه في وحدة الهدف، هو الصراع بين الحق والباطل، بين الكفر والإيمان، عداء دفين كلما لاح أو أشرق نور الهدى، التقى الحق بنوره وتصدى للباطل والكفر بظلامه وظلمه يتكرر على مر الأيام وانصرام السنين.
ظلم الظالمين اليوم هو ظلم الفراعنة الجبابرة بالأمس، وجه واحد، وسوط واحد، وهدف واحد أن تنطفئ نار المسلمين بهدم عقيدتهم في أفئدة المسلمين.
إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً يعملون بغير علم فضلوا وأضلوا، ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسةٌ العلماء والغزاة والزهاد والتجار والولاة، أجل اتخذ المسلمون اليوم حكاماً عِلمُهم من تعليمات أعدائهم وحكمهم من نظام أعدائهم، حكاماً لا إرادة لهم ولا رأي لهم لا يملكون من الأمر إلا ما يأمر به الأعداء، من خلال تعليماتهم ووجهات نظرهم من غير مناقشة ولا رأي لمن لا إرادة له.
فإذا كان العلماء، علماء المسلمين في الماضي القريب ورثة الأنبياء وأمناء الرسل، وأمناء الأمة قد أخلصوا لدينهم وقادوا الأمة مع حكامهم للبناء والنهضة والإعمار، وحمل الدعوة والجهاد في سبيل الله أوقفوا أنفسهم للاجتهاد والمحاسبة، والمراقبة، للنصح والإرشاد والأخذ على يد الظالم، أوقفوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانوا لمحاسبة الرعاة، لا للمعارضة ولا للإفتاء، ولا للي النصوص ولا لتحريف معاني الآيات من أجل الأعطيات لرضى الحكام.
أما زهاد المسلمين تميزوا بالخشية من الله والمعلمون في المساجد، والوعاظ لكل مخالف أو جاهل وهم أعمدة الأمة لكل ملمة، وأما الغزاة فجند الله في الأرض لرفع راية الإسلام وحمل دعوة الإسلام، بطريقتها الشرعية، طريقة الجهاد في سبيل الله.
هم سياج الأمة، وأداة اجتثاث فسادها، وآلة حربها على الأعداء، يتنافسون في الفتوحات، وصد الهجمات ودحر المعتدين.
وأما التجار فهم عصب الاقتصاد وحركة الحياة أمناء الله في البيع والشراء والاستثمار أهل الصدقات الخفية، والصدقات المجزية تطوعاً وفرضاً.
أما الولاة فهم أس التطبيق لشريعة الله، والأمل الكبير في إعزاز المسلمين، هم الذين يتقى بهم، ويقاتل المسلمون من ورائهم، هم الذي يستنفرون المسلمين لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين في الأرض.
أيها المسلمون: هذا في العصر الذي كان فيه المسلمون مسلمين حقا، يؤثرون دينهم، وقيادتهم على كل غال ونفيس فاستحقوا الثناء والحب والثواب العظيم، وبقي ذكرهم وذكرياتهم أنشودة يتغنى المسلمون بها، ويقولون وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
فإذا كان العالم في هذا الزمن المقهور أهله واضعاً للدين، مفتياً للسلاطين متسامحاً مع أعداء الدين مبرراً لظلم المعتدين، وللمال مستجدين آخذين، وللبدع باحثين فبمن يقتدي الجاهل وإلى من ينقاد الأعمى.
وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً وللمساجد هاجراً وللعبادة تاركاً فبمن يقتدي التائب.
فإذا كان الجيش يؤمل فيه نصرة المسلمين وإذا به لحدود الأعداء مرابطاً ولدخول المجاهدين مقاتلاً وللحكام الظالمين حارساًَ وللمخلصين منكلاً وقامعاً وللسياح مرحبا وحاميا، فكيف يكون الظفر وكيف يمنح النصر؟ وكيف تحرر الأوطان؟ وكيف يعيش المسلمون في عزة وأمان؟
وإذا كان التاجر جشعاً محتكراً ولسلعة المسلمين غاشاً ولطعامهم غالياً وللزكاة شحيحاً مانعاً فأين توجد الأمانة وأين تكون الرحمة والحنان؟
وإذا كان الراعي ذئباً شرساً لا هم له إلا ان الكلب القطيع ويذبح الرضيع ويرجم الوضيع فكيف تأمن الرعية، ومتى تشبع الرعية، وتعتز الرعية.
أيها المسلمون:
إذا كان مولاك هو خصمك، وقاضيك فيكف تنال حقك؟ وهل ينهض البازي من غير جناح، فإن جز يوماً يشبه فهو واقع وإن ارتفع في طيرانه.
يقول صلى الله عليه وسلم: " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء ممكن أخذ المال أمن حلال أم من حرام"، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله في أمة إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون لسنته ويقتدون بأمره ثم أنهم تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
أيها المسلمون:
لا بد من العمل لعودة الإسلام إلى حياتكم، وكان حقاً على المسلمين أن يستعيدوا سلطانهم ليحكمهم بدينهم، بعقيدتهم.
وكما يقول صلى الله عليه وسلم. : «لا ينبغي لامرئ شهد مقاماً فيه حق إلا تكلم به فإنه لا يقدم أجله ولي يحرمه رزقاً هو له»
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق"
فاعملوا مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية ورعاية خليفة المسلمين في ظل راية العقاب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق.
يا من ضيع القوة ولم يحفظها، وخلط في مرضه وما احتمى، ولا صبر على مرارة الاستفراغ لا تنكر قرب الهلاك، فالداء مترام إلى الفساد. لو ساعد القدر فأعنت الطبيب على نفسك بالحمية من شهوة خسيسة ظفرت بأنواع اللذات وأصناف المشتهيات. ولكن بخار الشهوة غطى عين البصيرة، فظننت أن الحزم بيع الوعد بالنقد. يا لها من بصيرة عمياء، جزعت من صبر ساعة واحتملت ذل الأبد. سافرت في طلب الدنيا وهي عنها زائلة، وقعدت عن السفر إلى الآخرة وهي إليها راحلة.
إذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير، فاعلم بأنه سفيه.
كتاب الفوائد لابن القيم
قال تعالى: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } [المائدة:15].
وقال تعالى: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران:138].
وقال تعالى: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [العنكبوت:49].
وقال تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [القمر:17].
وقال تعالى: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } [ص:39].
الآية الأولى وصفت القرآن أنه مبين، أي واضح. والآية الثانية وصفت القرآن أنه بيان، أي يوضح للناس. والآية الثالثة وصفت القرآن انه آيات بينات. والآية الرابعة وصفت القرآن أنه مُيَسَّر للذكر أي للفهم. والآية الخامسة قالت بأن الله أنزل القرآن ليتدبّر الناس آياته، أي لينعموا النظر فيها ويتفهموها.
ونحن نرى أن هذه الآيات جميعها تعم القرآن كله أي هو كله مبين وليس فيه آيات مبينة وأخرى غير مبينة. وكله بيان. وكله آيات بينات. وكله ميسر للفهم. وكل آياته مطلوب تدبرها وليس فيه آيات مستثناة من من التدبر.
ولذلك فالرأي القائل بأن الله أنزل في القرآن أموراً لا يمكن للناس فهمها هو رأي خاطئ يتصادم مع هذه الآيات. نعم قد يتعسر فهم بعض الآيات على بعض الناس، ولكنْ يفهمها الراسخون في العلم.
الموجود في القرآن هو المتشابه في مقابل المحكَم، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } فالمحكم، هنا، هو الواضح المعنى، والمتشابه هو حمّال الأوجه. وليس معنى المتشابه هو الذي يستحيل على الناس فهمه. فالأحرف في أوائل السور تحتمل أن تكون أسماء للسّور، وتحتمل أن تكون إشارة إلى الإعجاز، أي أن هذا القرآن المعجز ما هو إلا مؤلف من هذه الأحرف التي تستعملونها. وأما قوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } فإن المكان الصحيح للوقف فيها هو بعد لفظ (العلم) وليس بعد لفظ (الله)، أي أن الله يعلم تأويله والراسخون في العلم يعلمون تأويله. ولا يتسع المقام هنا لبسط الموضوع [انظر كتاب الشخصية الإسلامية - تقي الدين النبهاني، الجزء الثالث صفحة 172].
ولا يوجد في القرآن لفظ مهمل، بل كل لفظ فيه يؤدي معنىً. وألفاظ القرآن ليس لها باطن وظاهر، بل القرآن عربي ويفهم بلغة العرب. ولا يجوز صرف معانيه الظاهرة عما تفيده اللغة العربية إلا بصارف يذكره القرآن.
فالقرآن يسير على أساليب اللغة العربية، ويستعمل المجاز كما يستعمل الحقيقة.
هناك شيء من ألفاظ القرآن يتعلق بالمغيبات التي لا تقاس على المحسوسات مثل الجن والشياطين والملائكة، هذه لا يمكن تصوّر ذواتها تصوراً دقيقاً، فيُكتفى بالفهم الإجمالي الذي تفيده النصوص. وكذلك هناك الألفاظ التي تتعلق بذات الخالق عز وجل وصفاته وأفعاله، وهذه أيضاً لا تقاس على المحسوسات، وإنما تفهم فهماً إجمالياً بالقدر الذي تفيده النصوص، ويُتَوقَّف في فهمها عند ما ورد في النصوص، ولا يجوز للعقل أن يخوض فيها لأنها خارج نطاقه. نعم يجوز أن تُفهم فهماً مجازياً حسب اللغة العربية ما دام لا يحصل تعطيل ولا تجسيم ولا تشبيه، كفهمنا لقوله تعالى: { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي في رعايتنا، وقوله تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } أي قدرة الله فوق قدرتهم .