الإثنين، 05 شوال 1447هـ| 2026/03/23م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

نَفائِسُ الثَّمَراتِ: أَصْلُ الرِّيَاءِ حُبُّ الْمَحْمَدَةِ

  • نشر في من حضارتنا
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1509 مرات

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ يَحْيَى، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: " خَرَجْنَا مَرَّةً عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى رَكِبْنَا الْبَحْرَ، فَسِرْنَا فِي خَدَافَةٍ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى سَرَابٍ، فَدَخَلْنَا مَسْجِدِهَا فَتَذَاكَرْنَا الرِّيَاءَ فِيمَا بَيْنَنَا، فَقُلْنَا: حَدَّثَ عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الْحَسَنِ: " أَنَّ أَصْلَ الرِّيَاءِ حُبُّ الْمَحْمَدَةِ "، فَإِذَا شَيْخٌ قَائِمٌ يُصَلِّي طُوَالٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِهِ جَنَأٌ، فِي وُجْهَتِهِ سَجَّادَةٌ قَرِيبٌ مِنَّا، فَلَمَّا سَمِعَ قَوْلَنَا أَنَّ أَصْلَ الرِّيَاءِ حُبُّ الْمَحْمَدَةِ، صَاحَ صَيْحَةً ظَنَنَّا أَنَّ نَفْسَهُ قَدْ خَرَجَتْ، ثُمَّ انْحَنَى فَأَخَذَ رَمْلَ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا وَيْلِي وَيَا عَوْلِي، إِنِّي لَأَعْبُدُ اللَّهَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَا أَقْوَى عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِحُبِّ مَحْمَدَةِ النَّاسِ إِيَّايَ "، قَالَ عُثْمَانُ: " فَتَابَ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ عَامًا "

كتاب الأولياء لابن أبي الدنيا

وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ

 

إقرأ المزيد...

{وكونوا مع الصادقين}

  • نشر في مع الوحي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1589 مرات

قال الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطاً } وقال جلّ وعلا: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } وقال سبحانه وتعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}  صدق الله العظيم.

في سبب نزول الآية: {واصبر نفسك} قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونحَّيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم (يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها) جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: {واتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدّل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحداً . واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فُرُطاً . وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنّا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} يتهدّدهم بالنار، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله، قال: «الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجالٍ من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات». وهذا مثل قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.

أخرج ابن ماجه في سننه عن خبّاب أن الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، وغيرهما وجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع صهيب وبلال وعمّار وخبّاب، قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقروهم، فأتوه فخَـلَوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا. فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد. فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة ودعا علياً رضي الله عنه ليكتب ونحن قعـود في ناحيـة. فنزل جبريل بالوحي: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}.....  ففي الآية الأولى، دعوة صريحة قوية لرسول هذه الأمة، ولأمته من بعده أن يحبسوا أنفسهم مع المؤمنين الصادقين، الذي يدعون ربّهم، ويدعون إلى دين ربهم، طرفي النهار {بالغداة والعشي} أي في أوقات انشغال الناس بأعمالهم، فهم من باب أولى يذكرون الله، ويقومون بما أمرهم الله به، في أوقات الفراغ، طمعاً في نوال مرضاة الله. وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أوكل إليه مهمة الإشراف والرعاية، أن يراقب أحوال من كانوا تحت إشرافه، يتفقد أوضاعهم، ويشاركهم في مناسباتهم، ويطمئن إلى سلامة أوضاعهم النفسية والمعيشية، ويتعهد شخصياتهم بالصقل والبناء، لينتقل بهم من حال إلى حال أحسن بشكل ارتقائي دائم. {ولا تعد عيناك عنهم} أي لا تنصرف عيناك عنهم، والمعنى لا تصرف عينيك عنهم. قال الزجّاج: إن المعنى لا تصـرف بصـرك عنهـم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.

وهذه دعوة أخرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى أمته من بعده، أن تقريب الناس يكون بحسب قربهم من ربهم، وأن إبعادهم يكون بمقدار بعدهم من الله، فلا مكانة لمن كان عاصياً لله، غاشاً لأمته، مجافياً لكتابه. ولا شرف ولا سؤدد إلاّ في خدمة دين الله، وصدق رسول الله فيما روي عنه في دعاء القنوت: «فإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت». وهذه الدعوة موجهة بشكل أخص، إلى مسؤولي الحركات الإسلامية، أن لا يقرّبوا أحداً من جماعتهم إلاّ بمقدار قربه من الله، وليس بمدى الخدمات التي يمكن أن يقدّمها إلى الحركة، وأن يكون المقرّبون وأصحاب المسؤوليات من الأتقياء والأنقياء ولو كانوا فقراء، وأن يكونوا من ذوي النفسيات الراقية، والعقليات النيّرة، لا أن يكونوا من ذوي الطلاقة في اللسان، والبراعة في تقريب الناس، إن كانت نفسياتهم خاوية. لأن للمسؤولية واجباتها ومتطلباتها، فمن لم يكن متمتعاً بهذه المتطلبات، ينكشف، فيأخذ بمداراة عجزه وقصوره، فيقع في مزيد من الأخطاء، وأخيراً ينتهي به المطاف إلى القعود أو الانحراف.

وهناك دعوة عامة شاملة جميع المسلمين، أن يكونوا مع الصادقين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }، واختلف في من هم الصادقون، فقيل هم الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، ولم يتخلفوا عنه، كما يدل سياق الآية من أواخر سورة التوبة؛ وقيل هم الأنبياء، أي كونوا معهم بالأعمال الصالحة في الجنة؛ وقيل هم المهاجرون الذين ورد ذكرهم في سورة الحشر: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون }؛ وقيل هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم؛ قال ابن العربي: وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى، فإن هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة، والتعارض بين القول والفعل.

ويجب على أبناء الأمة أن يتحروا الفئة الصادقة المخلصة، ليكونوا معها يدعمونها بتكثير السواد، وبرد الأذى عنها، وهذا يقتضي تحديد الأساس الذي يحكم بموجبه على الفئات، وهذا الأساس هو مدى انطباق نهجها على منهج الرسول الكريم، ومدى قوة ارتباط أفكارها وأحكامها وآرائها مع القرآن الكريم والسنة النبوية، ومدى انطباق تصرفاتها مع طروحاتها النظرية. فليس من الصدق التوليف بين أحكام الإسلام ووقائع الحياة الحاضرة، فالإسلام هو الأصل الذي يضبط الحياة؛ وليس من الصدق القبول بالحلول الجزئية، والترقيعات المجتزئة، فالإسلام لا يقبل أن يشترك معه غيره في الحاكمية: {إن الحكم إلاّ لله}؛ وليس من الصدق ممالأة الظلمة والفاسقين والكافرين: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله}؛ وليس من الصدق، بل من النفاق، إظهار شيء وإخفاء خلافه، بحجة المصلحة، ولدفع الأذى، وجلب المنافع؛ وليس من الصدق الميكيافيلية، والغاية تبرر الواسطة، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ وليس من الصدق الخنوع والاستسلام والرضا بالواقع، فالله يحب من الأمور معاليها؛ وليس من الصدق التنكب عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بدواعي تغير الأحوال والأزمان والمجتمعات، فالرسول يجب التأسي به: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم }.

هذه بعض الأسس التي يجب أن تكون منطلقاً للحكم على الأفراد والفئات أنها صادقة مخلصة، أو أنها منافقة مطعون في صدقها وإخلاصها. والمسلمون مأمورون بفرز هذه الفئات، والذين يتصدرون لقيادتهم، وللعمل العام، ليكونوا مع الفئة الصادقة، والرجال الصادقين، عوناً لهم في أعمالهم، يذبّون عنهم بكل ما أوتوا من قوة، يحفظونهم في غيبتهم، يدفعون عنهم سهام التشكيك، ويؤازرونهم بتكثير سوادهم، والقيام معهم بأعمالهم؛ ثم هم مأمورون بفضح الفئات الضالة المضلة، أو المنافقة الموجَّهة، لإبعاد الناس عنها، وسحب أبناء المسلمين من عضويتها، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى .

 

إقرأ المزيد...

أحداث جسام من تاريخ الإسلام

  • نشر في أخرى
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2022 مرات

 

أيها السادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأدعو الله أن يلهمنا السداد في القول والعمل وأن يكون عملنا خالصاً لله تعالى.

موضوعنا اليوم هو أحداث جسام من تاريخ الإسلام:

لقد حدثت في العشرين سنة الأخيرة من الأحداث الجسام والتغيرات الكبرى ما كان يحتاج لقرن أو قرنين من الزمان لإنجازه.

الحدث الأول: هو فشل فكرة الاشتراكية الماركسية وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه دون أن يطلق أحد النار عليه ودون أن يحاصر ولو ليوم واحد حدث كل هذا بسبب فشل فكرة الاشتراكية الماركسية مما أرغم دعاتها وأنصارها على نبذها والتخلي عنها والتنكر لها لأنها فكرة خبيثة تخالف الفطرة الإنسانية ولا تستطيع أن تقنع العقل وبالتالي فلم تجلب الطمأنينة لأهلها.

أما الحدث الثاني: فهو انهيار مكانة الرأسمالية الغربية في الربع الأخير من عام 2008 بعد أن تغنى أنصارها ومعتنقوها بأفكارها وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتخليه على فكرة الاشتراكية الماركسية، وعدوا ذلك انتصارا مدويا لهم. لقد كانت أحداث الربع الأخير من العام 2008 أحداثا مدوية هزت الرأسمالية هزةً عنيفة وبددت ثقة العالم الغربي بنفسه وبحضارته، وأصبحت الرأسمالية سبة عار يلعنها حتى دعاتها، وأصبح الكثير من دعاتها ومفكريها يوقنون أنها فكرة فاشلة وخبيثة، لأنها أيضا تخالف الفطرة الإنسانية وعاجزة عن إقناع العقل وجلب الطمأنينة لبني الإنسان، بل وأصبح الكثير من مفكريها يدعون لأخذ بعض أفكار الإسلام في النواحي الاقتصادية، وأدرك العقلاء منهم أن الربا وعدم اتخاذ الذهب والفضة عملة بالإضافة إلى نظرتهم الخاطئة للملكية وغير ذلك، كل ذلك جعل الكثيرين يدركون أن أيام سيطرة الرأسمالية قد ولت وأن الحضارة الغربية إلى زوال حتماً.

أما الحدث الثالث: فهو الهجمة الرأسمالية الشرسة على الإسلام والمسلمين إذ أدرك المسلمون أنهم هم المستهدفون مما أقنع الكثيرين منهم بضرورة التمسك بدينهم وبخاصة بعد أن رأوا عفن الرأسمالية رأي العين بعد احتلال أفغانستان والعراق وما قام به يهود من ضرب للمسلمين في غزة مؤيدين بالدول الكافرة المستعمرة وعلى رأسها أمريكا ودول أوروبا.

إن تداعيات هذه الأحداث الثلاث تفرض على المسلمين مهمات عظيمة إذ أصبحوا هم وحدهم بما لديهم من الفكرة الصحيحة والثروات الهائلة والملايين من الشباب المتحرق لإقامة شرع الله ومن عالم إسلامي مترامي الأطراف يشكل أمة واحدة مهما تعددت لغاته وشعوبه وبما لديهم من مواقع إستراتيجية لا غنى للعالم عنها أصبحوا كما قلنا هم وحدهم المؤهلين لإنقاذ البشرية من الظلمات إلى النور.

لقد ولى الزمان الذي كان المسلمون متشككين في قدرة دينهم على حل مشاكلهم ومشاكل البشرية بل أصبح المسلمون في طول العالم وعرضه يدركون أن لا خلاص للبشرية إلا بالإسلام وبإقامة دولة الخلافة وأنه آن الأوان لإقامة دولة إسلامية مبدئية.

لقد أصبح الإسلام قبل أن تقوم له دولة ينتشر في أوروبا وفي العلام الغربي انتشار النار في الهشيم مما أجبر الكثير من مفكري وسياسي أوروبا وأمريكا على الخوف على حضارتهم فأخذوا يرسمون الخطط لإبعاد المسلمين عن دينهم ويطالبون علنا بذوبان المسلمين في مجتمعاتهم الغربية.

أيها السادة: إن تاريخ الإسلام مليء بالأمثلة على سرعة انتشار الإسلام وسرعة اعتناق الشعوب غير المسلمة للإسلام، وليعلم شباب الإسلام أن لديهم تاريخ عريق، وأنهم وحدهم المؤهلون لإنقاذ البلاد والعباد من الكفر وأهله، وسأبين في عجالة كيف استطاع المسلمون في بلاد المغرب من إقامة دولة إسلامية أو إمارة إسلامية لملمت شعث الأمة وأنقذت البلاد والعباد من دعاة الكفر وثبتت أركان سلطان الإسلام في المغرب مئات السنين، هذه الإمارة هي إمارة المرابطين فكيف نشأت هذه الإمارة وكيف تمكنت في فترة وجيزة من إعلاء شأن الإسلام والمسلمين.

نشأت هذه الإمارة أيها السادة نشأة فكرية صحيحة على يد عالم جليل هو الشيخ عبد الله بن ياسين في مكان اعتبره المؤرخون مكانا هامشيا، فلقد أعد شيخنا عدته الفكرية وألقاها على عشرات من المسلمين ازدادوا إلى بضع مئات رابط بهم في جزيرة تقع في مصب نهر السنغال في غرب إفريقيا لا تتعدى مساحتها بضع كيلو مترات مربعة، والرباط أيها السادة هو مكان يستقر أو يرابط فيه بضع عشرات أو بضع مئات يحبسون أنفسهم للجهاد في سبيل الله ورد غارات الفرنجة البحرية عن سواحل المسلمين الواقعة على شواطئ الأطلسي والمتوسط، وكان هؤلاء المرابطون وأمثالهم يعملون كخلية النحل في التدرب على القتال وفي تأمين المؤن اللازمة لهم وتأمين السلاح، لقد كانوا حقاً مثالا للإخلاص الخالص لله تعالى لا يكلفون الدولة ولا الناس أية تكاليف تذكر، وقد نجح هذا الأسلوب في مطاردة الفرنجة أيما نجاح حيث كانت هذه الأربطة تشمل ساحل بلاد المغرب الأقصى والأوسط.

في رباط جزيرة السنغال بدأ شيخنا انطلاقته لحمل راية الإسلام وتوحيد بلاد الإسلام وقد أختار شيخنا لحمل هذه الأمانة فارسا ورجل دولة من الطراز الأول هو يوسف بن تاشفين، حيث رأى فيه المؤهلات اللازمة لقيادة المسيرة، وهذا وأيم الله هو قمة الإيثار وقمة الإخلاص الخالص لله عز وجل، حيث رأى شيخنا أنه ليس مؤهلا لقيادة المسيرة. انطلق الأمير يوسف محاطا بحاشية خالصة مخلصة وعلى رأسها أستاذه وشيخه عبد الله بن ياسين، خرج أميرنا من جزيرة السنغال بمرابطين لا يزيد عددهم عن الألف مجاهد فأخضع المناطق المحيطة بمصب نهر السنغال ثم حمل الإسلام جنوب السنغال وأخضع بلاد واسعة جنوب السنغال للإسلام فأقبل الجميع على حمل الإسلام تحت قيادة أمير زاهد مجاهد فذ تحطوه حاشية لا تبتغي إلا رضوان الله عز وجل، ودخلت أعداد كبيرة من الأفارقة الإسلام وأصبحوا جنودا أوفياء، وبعد أن أمن الجبهة الجنوبية لنهر السنغال عبر أميرنا نهر السنغال إلى بلاد شنقيط وضمها إلى إمارته، ثم سار بمن معه متوغلا في الصحراء شرق السنغال وشرق بلاد شنقيط، فدانت له بلاداً واسعة، وأصبحوا جميعاً كتلة واحدة، تتشوق لحمل الإسلام شمالا لتوحيد بلاد المغرب التي كانت منقسمة على نفسها وتخوض صراعاً قبلياً أهلك الحرث والنسل، وسفكت دماء غزيرة هدرا نتيجة ذلك الصراع المرير الذي حدث بين قبيلتي زناته وصنهاجه، ولم تهن على أميرنا يوسف بن تاشفين هذه الأعمال الفظيعة من الفساد والإفساد وسفك الدماء وإهلاك الحرث والنسل فتقدم إلى جنوب بلاد المغرب الأقصى واستطاع أن يوحد هذه البلاد ويزيل هذا الصراع الرهيب فأصبحت البلاد الواقعة جنوب نهر السنغال وشماله بالإضافة إلى أجزاء واسعة من غرب افريقيا والصحراء وجنوب بلاد المغرب كتلة واحدة متراصة فأسس أميرنا بلدة مراكش لتكون عاصمة لإمارته، أسسها لتكون مدينة بسطة في عمرانها قوية في فكرها وعقيدتها زاخرة بمجاهيدها وأهل الفكر والصلاح فيها، فكان موعد أميرنا مع المجد إذ سير جيوش الإسلام شمالا ليضم باقي بلاد المغرب الأقصى إلى إمارته وليطل على سواحل البحر المتوسط بالإضافة لسواحل المحيط الأطلسي وليكون وجها لوجه أمام صلف الفرنجة وغطرستهم ومحاولاتهم طرد المسلمين من الأندلس، ولما رأى أهل المغرب الأوسط ما كان يتمتع به إخوانهم أهل المغرب الأقصى من عزة ومجد وسؤدد، أرسلوا الوفود تلو الوفود تدعو أميرنا ابن تاشفين لضم بلاد المغرب الأوسط فكان لهم ما أرادوا إذ سير أميرنا حملات لضم هذه البلاد والتي لم تجد إلا الترحيب بمقدم شباب المرابطين، فأصبحت بلاد المغرب الأوسط والأقصى بالإضافة إلى أجزاء واسعة من الصحراء وبلاد شنقيط (موريتانيا) ومساحات شاسعة شمال وجنوب نهر السنغال تحت حكم أميرنا ابن تاشفين، وفي هذه الأثناء توفي شيخنا عبد الله بن ياسين ورغم فداحة المصاب إلا أن إمارة المرابطين لم تتأثر كثيرا بفقده لأن شيخنا وضع اللبنة القوية في أساس إمارة المرابطين حيث أسسهم على التقوى والجهاد والإخلاص الخالص لله وحده، فظلت إمارة المرابطين تعلو من علي إلى أعلى إلى أن كان لها موعد مع المجد في الأندلس، فبمجرد وصول المرابطين سواحل البحر المتوسط وإطلالتهم على المضيق عرفوا عظمة وفظاعة ما ينتظر المسلمين في الأندلس، الذين كانوا يخضعون لملوك الطوائف تماماً كما نخضع الآن لملوك وحكام أقل شأنا وأفظع وضاعة من ملوك الطوائف، وبلاد المسلمين على طول تاريخ الإسلام لم تكن مقفلة في وجوه المسلمين من أي قطر أو قوم ولم تعرف بلاد الإسلام مفهوم الحدود إلا في هذا العصر بعد اتفاقيات سايكس وبيكو وغيرها من الاتفاقيات الاستعمارية التي قسمت بلاد المسلمين إلى أكثر من سبعة وخمسين قسما، أقول لم تكن بلاد المسلمين مقفلة فأطل المرابطون على الأندلس وعبر التجار المسلمون وكل راغب في التنقل إلى المضيق من جهتيه، الأندلسيون كانوا ينتقلون إلى بلاد المغرب دون قيود، وكذلك المرابطون ينتقلون إلى الأندلس دون قيود، ولما رأى أهل الأندلس أن الأخطار تحُدق بهم من الفرنجة، وكذلك رأى علماء المسلمين في عدوتي المضيق حال المسلمين في الأندلس، تاقت نفوس الأندلسيين لمن يحميهم من أهل المغرب، فوجدوا المرابطين أهلا لذلك، فاستنجد المعتمد بن عباد أمير اشبيلية بابن تاشفين، ولما نهاه أحد مستشاريه عن الاستنجاد بابن تاشفين قال قولته المشهورة ((لأن أكون راعياً لإبل ابن تاشفين خير لي من أن أكون راعياً لخنازير الفونسو الخامس)) وهب أمير المرابطين لنجدة أهل الأندلس، وما هي إلى أشهر قليلة وتندلع معركة الزلاقة بين المسلمين بقيادة ابن تاشفين والفرنجة بقيادة الفونسو الخامس، ويشاء الله أن ينصر الإسلام وأهله، فانتصر المسلمون في الزلاقة انتصارا هائلاً دوت أخباره في أوروبا وبلاد المغرب وكان من العظمة أن منع الفرنجة من مهاجمة المسلمين مائتي عام وبذلك أخرت الزلاقة سقوط سلطان الإسلام في الأندلس مائتي عام، ولما رأى أهل الأندلس عدل وإخلاص ابن تاشفين ألحوا عليه بخلع ملوك الطوائف ولم يتسرع الأمر، خوفا من أن يظن أهل الأهواء به الظنون ويتهمونه أنه من طلاب الدنيا وطلاب الإمارة، ولكن عقلاء الأندلس خلعوا بيعة ملوك الطوائف وبايعوا أميرنا ابن تاشفينن عندها لم يجد مناصا من تحقيق رغبة المسلمين فخلع ملوك الطوائف وأصبحت الأندلس جزءاً من إمارة المرابطين، ولم يكتف أميرنا بذلك، لم يكتف أميرنا بهذا المجد، وإنما أضاف مجداً آخر لأمجاده فأرسل وفدا منه إلى الخليفة في بغداد وأعلن خضوع إمارة المرابطين للخلافة في بغداد ولتكون إمارة المرابطين جزءاً من الخلافة الإسلامية. أتدرون أيها السادة كم استغرق هذا البناء الضخم لإمارة المرابطين التي كانت مساحتها تزيد على خمسة ملايين كيلو مترا مربعا وتضم تحت رايتها أقواماً شتى وقبائل شتى جمعها الإسلام في بوتقة واحدة هي بوتقة الإسلام، لقد استغرق هذا البناء أقل من جيل واحد، أي أقل من ثلاثين عاما.

لقد أردت من هذا أيها السادة أن أوضح لكل من يوسوس له الشيطان أن قيام دولة الإسلام دونه طرق القتاد، أي من المستحيل،  أردت أن أبين أن الإسلام دين الله موافق لفطرته يقنع العقل وتطمئن به النفس وأنه أذا لامس القلوب فسرعان ما تتفانى هذه القلوب في حمله والاستماتة في نشره.

أيها السادة: لقد وعدنا بإظهار الإسلام على الدين كله، قال تعالى: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)) وأن وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون فالله نسأل أن يعزنا بالإسلام ويجعلنا ممن ينال شرف رفع رايته والله غالب على أمره وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو بكر

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع