الجمعة، 26 ذو الحجة 1447هـ| 2026/06/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
فَقُلْ لِفَتَى الطَّيْشِ الْمُضِيعِ لِأَمْرِه *** أَقِلَّ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي لَيْسَ نَافِعَا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

فَقُلْ لِفَتَى الطَّيْشِ الْمُضِيعِ لِأَمْرِه *** أَقِلَّ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي لَيْسَ نَافِعَا

 

 

الخبر:

 

نشرت جريدة اليوم السابع تقريراً حول استعراض وزير الاستثمار والتعاون الدولي للفرص الاستثمارية الواعدة في مصر أمام ممثلي كبرى المؤسسات وصناديق الاستثمار العالمية، وذلك خلال مائدة مستديرة نظمها بنك ستاندرد تشارترد في العاصمة البريطانية لندن، بحضور وزير المالية ونائب محافظ البنك المركزي. ركز العرض الحكومي على حزمة من المؤشرات والمصطلحات الاقتصادية الكلية، شملت الالتزام بسياسات نقدية مرنة، وتحقيق استقرار مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتطوير آليات سوق الكربون، وصياغة استراتيجية وطنية جديدة للاستثمار بالتعاون مع البنك الدولي، فضلاً عن السعي لإطلاق صناديق استثمارية متخصصة ومصممة للتوسع الإقليمي عبر صندوق مصر السيادي، مع ترويج مشروعات التحول الأخضر والطاقة المتجددة لجذب أصحاب المحافظ المالية العالمية ومديري الأصول الدولية.

 

التعليق:

 

إن التدقيق في طبيعة الخطاب الاقتصادي المعاصر يكشف بوضوح عن تحول في أدوات الهيمنة وصناعة الولاء؛ فالمصطلحات الكلية التي تضج بها المؤتمرات الدولية والبيانات الرسمية ليست مجرد أدوات تحليلية جافة، بل هي طلاسم معاصرة حلت محل الكهانة الدينية القديمة التي سادت في الغرب قبل عصر (التنوير). في الماضي، كان احتكار النصوص بلغات غير مفهومة كالعبرية أو اللاتينية وسيلة لحجب المعرفة ومنع العوام من المساءلة، واليوم يمارس التكنوقراط والمنظومة الرأسمالية العولمية الدور ذاته عبر تعقيد لغوي مقصود. إن إغراق الفضاء العام بمصطلحات مثل استقرار الاقتصاد الكلي، والمرونة النقدية، وأدوات التحوط، يهدف بالدرجة الأولى إلى خلق فجوة نفسية وإدراكية تجعل الشخص العادي يشعر بالعجز والجهل أمام قوانين السوق الحتمية، وكأنها قوانين فيزيائية قدرية لا تملك الدول حيالها دفعاً ولا اختياراً.

 

هذا التكريس المتعمد لغموض اللغة يمثل آلية هروب ممنهجة تستخدمها الدولة للتنصل من الاستحقاقات الرعوية الأساسية المفروضة عليها تجاه المجتمع. حين يتحول الشغل الشاغل للدولة في مصر من رعاية شؤون الإنسان إلى تعظيم أرقام رأس المال، يصبح تقييم النجاح مرتبطاً بنمو الناتج المحلي الإجمالي وإرضاء الصناديق الاستثمارية وعقد الموائد المستديرة مع مديري الأصول، حتى لو توازى ذلك مع اتساع رقعة الفقر وتآكل القوة الشرائية للأفراد. إن هذا النهج الرأسمالي يعيد تدوير أزمة الندرة النسبية كشماعة لتبرير رفع الدعم وتحرير الأسعار وخصخصة المرافق العامة، متهرباً من المسؤولية الحقيقية التي تقتضي ضمان التوزيع العادل للثروات ومنع تركز الأموال في أيدي قلة مستأثرة بالقرارات والسياسات المالية.

 

إن مواجهة هذا التزييف الممنهج والتأسيس لحل جذري وحقيقي للاختلالات الاقتصادية والمجتمعية لا يمكن أن ينبثق من داخل المنظومة التي أنتجت الأزمة، بل يجب أن يستند أصلاً وفصلاً إلى المبدأ الإسلامي الذي بدأ وحياً بكلمة ﴿اقْرَأْ﴾. هذه الكلمة لم تكن مجرد أمر بمحو الأمية الأبجدية، بل كانت إعلاناً لثورة فكرية شاملة قائمة على الشفافية المطلقة والوضوح التام، وهدم صروح الكهانة واحتكار الحقيقة. وكلمة ﴿اقْرَأْ﴾ تعني إتاحة المعرفة للجميع وتحويل الأحكام والسياسات من طلاسم غامضة إلى نصوص تشريعية جلية وواضحة يفهمها الحاكم والمحكوم على حد سواء، بحيث ترتبط التدابير الاقتصادية بأحكام شرعية مبدئية ومستقرة، لا تتغير بتغير أمزجة البورصات العالمية أو شروط المؤسسات الدولية المانحة.

 

في هذا الإطار الفكري المستنير، يتضح الفارق الشاسع بين اقتصاد التكنوقراط واقتصاد الرعاية الحقيقي؛ فالأول يبحث عن بيع الفرص وجمع الأموال وتكديس الأرقام، بينما يقوم الثاني على تحرير الإنسان وتوفير حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومأوى، وضمان ألا تتحول ثروات الأمة والملكيات العامة من الطاقة والموارد الطبيعية إلى سلع تباع للمستثمر الأجنبي تحت مسميات التطوير والكفاية. إن العودة إلى منطلق ﴿اقْرَأْ﴾ يفرض إعادة الاعتبار للعملة المستقرة ذات القيمة الذاتية كالذهب والفضة لإنهاء مهزلة التضخم الورقي المصطنع، كما يفرض بناء سياسة اقتصادية واضحة ومباشرة تتمحور حول الفرد البسيط وتفكيك كل الطلاسم التي تُتخذ غطاءً لنهب الثروات وهضم الحقوق وتغييب وعي الناس.

 

من هنا، يصبح لزاماً على أبناء الكنانة ألا يقعوا أسرى لهذه الطلاسم المعاصرة التي تستنزف مقدراتهم وتغيب وعيهم، بل إن الواجب يدعوهم اليوم إلى الالتفاف حول وضوح الرؤية والمشروع الفكري والسياسي النقي الذي يحمله حزب التحرير، والعمل معه لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة وبناء صرح النهضة الحقيقية التي تعيد للأمة سيادتها ورعايتها المستمدة من أحكام الوحي الصافية.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع