الجمعة، 28 ذو القعدة 1447هـ| 2026/05/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

لماذا ندافع عن واقعنا رغم أنه يؤلمنا؟

وكيف يمكن تغييره من الجذور؟

 

 

في لحظة ما لا يعود السؤال: لماذا لا يتغير الواقع؟ لكنه يصبح: كيف صار هذا الواقع مقنعا إلى درجة أن من يتألم منه صار يبرره؟

 

الأمر لا يحدث دفعة واحدة، لا أحد يستيقظ فجأة ويقرر أنه سيدافع عن شيء يراه خطأ. إن ما يحدث أشبه بتآكل بطيء في الإحساس تجاه الفكرة نفسها أي فكرة أن الأشياء يمكن أن تكون مختلفة عما ألفها الإنسان لفترة طويلة من الزمن. لذلك نجد أن الإنسان لا يواجه الواقع دائما وإنما يسعى للتعايش معه، ومع الوقت لا يعود يرى الواقع كشيء يمكن تغييره بل كإطار ثابت للحياة مهما كان قاسيا أو غير عادل، فهو بنظره إطار آمن لأن الإنسان بطبيعته يخشى من غيب لا يتوقع أحداثه ولا يعلم مدى تأثيره على واقع حياته وأسرته وعمله. فتراه يفضل المعلوم الظالم عن فكرة التغيير التي من شأنها أن تقلب واقعه رأسا على عقب، فالعقل بطبيعته لا يحتمل التوتر المستمر بين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون لأنه يرهقه، فيبدأ بتبرير الواقع بدل مقاومته. وهكذا يتحول المؤلم إلى مألوف والمرفوض إلى مفهوم ثم إلى طبيعي، ومع مرور الزمن لا يعود الدفاع عن الواقع ناتجاً عن قناعة بأنه صحيح لكن نتيجة ارتباط عميق به، فالإنسان يستثمر فيه سنواته وخياراته وهويته المجتمعية، لذلك يصبح تغيير الواقع في داخله أشبه بالاعتراف بأن جزءا كبيرا من حياته يحتاج إعادة ترتيب، وهذا ما يخاف منه.

 

ثم تأتي الجماعة لتضيف طبقة أخرى من تثبيت فكرة قبول الواقع كما هو، حيث نجد أن الرأي العام لا يقنع الناس بالواقع فقط وإنما يطرح فكرة التغيير على أنها خطر وتسبب فوضى وتهدد الاستقرار بدلا من توضيح أهميتها في تصحيح المسار الذي رسم لهم ليبقوا ضمن القطيع المطيع المنشغل بهموم الحياة وقضاياه الشخصية وبعيدا كل البعد عن قضيته الأساسية وهي قضية أمته، وبالتالي يصبح الخروج عن السائد والمألوف أو مجرد التفكير بالخروج عن القطيع مكلفا نفسيا، فنجد أن الكثيرين يختارون التكيف بدل التفكير بالتغيير، وهكذا لا يكون الدفاع عن الواقع نابعاً عن قناعة ولكنه نتيجة تداخلات كثيرة منها الخوف من المجهول أو التعب من التفكير أو الرغبة في الاستقرار المؤقت واختيار السلامة الشخصية على حساب سلامة المنهج.

 

أمام هذه المعضلة يخطر لنا سؤال مهم؛ كيف يبدأ التغيير من الجذور؟

 

إن التغيير الحقيقي يبدأ من تغيير الأفكار التي تنتج هذه النتائج؛ فما يراه الإنسان طبيعيا أو مستحيلا أو مقبولا هو نتيجة مفاهيم عميقة تشكلت عبر الزمن فتحولت تلقائيا إلى سلوك. ومنذ هدم الخلافة والغرب الكافر يلعب على هذا الوتر الحساس تحديدا عن طريق زرع أفكار مستوردة لا تشبهنا، وهكذا رويدا رويدا تحولت هذه الأفكار إلى مفاهيم أدت إلى ما نحن عليه من سلوك أقل ما يمكن وصفه أنه بعيد عن عقيدتنا.

 

فحالة الأمة اليوم تشبه الجسد الذي أُصيب بفيروس خطير لكن بدل أن يعالج يكتفى بإعطائه مسكنات تخفف عنه الألم مؤقتا وتمنحه شعورا كاذبا بالتحسن، ومع تكرار هذا الأسلوب من العلاج ظن هذا الجسد أنه قد تعافى أو أنه قادر على التعايش مع المرض كأنه حالة مزمنة يمكن التأقلم معها، لكن الحقيقة المؤلمة غير المدركة أن أصل المرض ما زال موجوداً ويتفشى في عضو تلو الآخر حتى يضعف الجسد تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة يكتشف فيها أن ما كان يظنه علاجاً لم يكن إلا تأجيلا صريحا للأزمة التي تؤدي لا محالة إلى موته أو على أقل تقدير إلى إحداث شلل لا يرجى منه خير. ولم يكن ذلك الفيروس إلا تلك الأفكار المستوردة الدخيلة على فكر الأمة حتى وصل بها الحال إلى ما هي عليه الآن من ضعفٍ عمل على تسهيل قدرة الغرب على التحكم بها واستغلال كل ما أمكن استغلاله من ثرواتها ومقدراتها والتركيز على طمس هويتها الدينية التي شكلت وتشكل الأخطر الأكبر على وجوده. فالنظام رأسمالي ما كان يحلم يوما أن يشكل القطب الأوحد المتحكم في العالم إلا بعد نجاحه في هدم الخلافة، ومن المنطقي أن يستخدم كل ما يملك من وسائل وأفكار من شأنها العمل على منع عودة تلك الخلافة التي مرغت كبرياءه على مدى عقود في التراب.

 

وبناء على ما تم توضيحه نجد أن أهم أسباب قبول هذا الواقع وتبريره رغم أنه مكلف جدا ومؤلم بحق هو أن جزءا كبيرا من الإشكال يكمن في الأفكار المستوردة التي تسللت إلى الوعي حتى تحولت إلى بديهيات رغم أنها لا تنسجم مع المرجعية العقدية للأمة لكنها مع الوقت تطورت فلم تعد مجرد أفكار بل أصبحت سلوكا وطريقة حياة فصلت الدين عن الحياة فأصبحت النظرة محدودة بسلامة النفس لا بحفظ الدين والعرض والأرض والشرف، حتى بلغ الأمر بنا اليوم في تغيير مفهوم العدو! فهل أدركتم خطورة ما أوصلتنا إليه تلك الأفكار؟

 

فأعداء الدين اليوم يسعون إلى التطبيع معهم وإحلال سلام يرسخ الذل والهوان في أمتنا.

 

أمة تحيا في ظلام لما يزيد عن مائة عام وأكثر لا بد لأي عاقل أن يعمل على تغيير واقعها، وهنا تبرز أهمية إعادة بناء القاعدة الفكرية لأن أي تغيير يبقى سطحيا إذا بقيت المفاهيم التي تصنع طريقة التفكير كما هي. وعليه لا بد أن تكون الخطوة الأولى ليست الهدم لمجرد الهدم وإنما جعل الناس تميز بين ما هو أصيل ناتج عن عقيدتهم وما هو دخيل عليها، وإعادة ضبط المفاهيم على أساس تلك العقيدة المستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ، وعليها أيضا تبرز الحاجة إلى وجود نخب واعية تتميز بقدرتها على القيادة الفكرية التي تساعد المجتمع على رؤية ما تعود ألا يراه، نخب تمتلك القدرة على تفكيك المفاهيم وإعادة ترتيبها وربط الفكر بالسلوك، والعمل على استعادة المشروع الذي تنتمي له الأمة وهو الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الذي سيعيد الأمة لمسارها الصحيح وجعل الواقع منسجما مع أفراده لا مصدرا للألم. وتجدر بنا الإشارة هنا أن هذه الفكرة ليست جديدة فقد لفت الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله النظر إليها عندما رسم طريقا للتغيير الحقيقي الذي يؤدي بالأمة إلى تحقيق مشروعها من خلال ما قدمه في كتب حزب التحرير، عندما بين أن أي تغيير حقيقي لا يبدأ من تعديل الواقع الظاهر بل من إعادة بناء المفاهيم التي ينتج عنها هذا الواقع لأن المفهوم هو الذي يحدد زاوية النظر، وزاوية النظر هي التي تحدد الحكم، والحكم هو الذي يقود الفعل... وحين تعاد صياغة المفاهيم من جذورها وتتحرر طريقة التفكير من القوالب التي تشكلت عبر الزمن يصبح السؤال مختلفا تماما، ليس: هل يمكن التغيير؟ إنما: لا بد من التغيير مهما كلف الأمر!!

 

وعليه فإن المدخل الحقيقي لأي تغيير ليس مجرد نقد الواقع بكل ما فيه وإنما يكون في العمل على إعادة بناء القاعدة الفكرية التي يفهم من خلالها هذا الواقع على أسس راسخة مستنبطة من عقيدة المسلمين بما يجعل التفكير نفسه غير محصور داخل الإطار الذي صيغ عبر قرون من الانكسار والتحولات المفصلية الكبرى وفي مقدمتها هدم الخلافة وما ترتب عليه من تشكل أنماط إدراك جديدة للسياسة والحياة، وعند هذه النقطة فقط يصبح من الممكن أن يبدأ الإنسان بالتفكير خارج الصندوق الذي وضع فيه، ويبدأ بامتلاك فكر منهجي مختلف في طريقة فهمه للأحداث، فلن يرى العالم كما يراد له أن يراه، ولكن سيتمكن من إعادة صياغة طريقة النظر إليه بما يفتح الباب أمام إمكانية استعادة مشروعه الإسلامي من جديد لا كحلم نظري وإنما كمسار واعٍ يبدأ من الفكرة ليغدو واقعا لا محالة.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع