الأحد، 08 ربيع الأول 1442هـ| 2020/10/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حكومة الثورة ورفع الدعم داوتني بالتي هي الداء!

 

تعقد حكومة السودان عدة ورش قطاعية للإعداد للمؤتمر الاقتصادي الأول، من بينها ورشة عمل الدعم السلعي وبدائله التي قدمت فيها ورقة بعنوان (إصلاح الدعم الحكومي)، والتي أعدها خبراء اقتصاديون وأكاديميون، وربطت الورقة بين الدعم الحكومي في السودان، وعدد من الاختلالات الاقتصادية كتشوهات القطاع المالي والنقدي التي ساهمت في عجز الموازنة، وتزايد معدلات التضخم وعجز الميزان التجاري، وأبرزت الورقة جملة من السلبيات المتعلقة بالدعم السلعي مؤكدة أن دعم المحروقات والدقيق أدى إلى زيادة الاستهلاك دون ترشيد مع تغير نمط الاستهلاك وزيادة قيمة الواردات، فضلا عن ازدياد نشاط التهريب للسلع المدعومة (2020/9/24، سونا). وأكدت وزير المالية والتخطيط الاقتصادي المكلفة هبة محمد، أن الدعم الحكومي على السلع يمثل عبئا ضخما تتحمله الحكومة، وأكدت الوزيرة التي كانت تتحدث في ورشة "الدعم السلعي وبدائله" الأحد أن العبء ازداد ثقلاً. (21 أيلول/سبتمبر2020م).

 

الغريب في الأمر أنه في الورشة نفسها قدم كمال كرار، عضو قوى الحرية والتغيير، ورقة تنسف كلام الوزيرة، حيث قال إن (تكلفة طن البنزين المحلي في المصفاة تبلغ (1395) للتر، وبحسب دولار موازنة 2020م تعادل 23964 جنيها، وتكلفة اللتر تساوي 17.1 جنيها، ويكون سعر بيع الطن في المحطات 39060 جنيها، بسعر اللتر 28 جنيهاً، شاملا ضرائب ورسوماً حكومية بواقع ٣٩%)، لافتا إلى أن سعر البيع أعلى من قيمة التكلفة بحسب موازنة 2020م، أما تكلفة طن البنزين المستورد فتبلغ 35245 جنيها، بها رسوم حكومية بنسبة ٣٣%، وسعر اللتر يساوي 25.2 جنيها، متسائلا فأين هو الدعم؟!

 

فعلاً إن المعارضة هي صمام أمان النظام، والغريب أن تأتي المعارضة من داخل الحكومة، فما قاله كمال كرار لا يعدو كونه خوفاً من المآلات، ويظل الخوف من الضغوط التضخمية سبباً لمعارضة رفع الدعم، وليس رعاية شئون الناس، ولا تبني مصالحهم، فترك الأسعار لقوى السوق (العرض والطلب) كما هو مقرر في المبدأ الرأسمالي يحدث تغييرات في تكلفة الإنتاج والصناعة والنقل، وبالتالي زيادة في أسعار السلع والخدمات على المستهلك، فيقود ذلك لما حدث في 2013م و2018م؛ إذ أدى تخلي الحكومة عن سياسة الدعم إلى ارتفاع في المعدل العام للأسعار بشكل غير مسبوق خلق أزمة وبالأخص لدى الفقراء وذوي الدخل المحدود، ما قاد لمظاهرات واجهتها الحكومة بعنف وقمع شديدين، وهذا هو سبب معارضة سياسة رفع الدعم...

 

الدعم يعنى به تدخل الحكومة في الأسعار ما يؤدي لخفض مستوى سعر الخدمة للمستهلك عن مستوى سعر السوق، أو تخفيض التكاليف بالنسبة للمنتجين والمستهلكين من خلال دعمهم، وقد يكون الدعم الحكومي مساعدة مالية ترصدها الدولة لدعم قطاعات إنتاجية أو خدمات لها طبيعة حيوية لكنها محدودة المردودية، ومن أهدافه كذلك توفير مواد استهلاكية أساسية أسعارها ليست في متناول الفئات الاجتماعية الأقل دخلاً عبر صندوق يسدد الفارق بين سعر البيع والسعر الحقيقي للسلع، ولأن السياسة الرأسمالية تقوم على المصلحة فيجب أن لا يكون للدولة أي دعم، لكن رغم ذلك كترقيع للنظام الرأسمالي يوجد ضمان اجتماعي يشكل دعما للفئات الأقل دخلاً، شراء للسلم الاجتماعي لإبعاد الاضطرابات! وتقدم الدول الأوروبية اليوم، كأحد أشكال التدخل الحكومي أو الدعم الحكومي، برامج الضمان الاجتماعي ودعم العاطلين عن العمل والدعم للقطاع الزراعي وغيرها، وكذلك الأمر في الولايات المتحدة نفسها، والتي تدخلت أيضاً بعد الأزمة المالية العالمية 2008 بشراء القروض المتعثرة من البنوك لتجنب إفلاسها، وطرحت مئات المليارات في الأسواق لإنعاش الاقتصاد، وهذا ما لم تَعِهِ الحكومة! والمستغرب أن حكومة ما بعد الثورة تسير على خطا الحكومة البائدة التي تبنت سياسة رفع الدعم نفسها باسم الإصلاح الاقتصادي، وللمبررات ذاتها التي طرحتها الحكومة الحالية، ما فاقم من الأزمات المعيشية للمواطن، بسبب النتائج السلبية التي أعقبت رفع الدعم، موجة تضخمية كبيرة رفعت الأسعار بشكل كبير، وزادت العبء على الفقير ومحدود الدخل، بالإضافة إلى اضطرابات في السوق المحلية، نفّرت المستثمرين بسبب صدمة تعويم العملة وعدم الاستقرار، فصار أغلب أهل السودان تحت خط الفقر. وتقوم الحكومة الحالية بتجريب المجرَّب وتسلك الطريق ذاته مبتعدةً عن الطريق الآمن المجدي لدرء الأزمة الاقتصادية من تأهيل وتعزيز القطاعات الإنتاجية المهمة، كالزراعة والصناعة والاهتمام بالمنتجين، والاعتماد على البدائل الحقيقية في تمويل الموازنة.

 

وفي عالم اليوم يتسمى الشيء بضده؛ فقد سمي رفع الدعم بسياسة الإصلاح الاقتصادي، والتي تتمثل في رفع الدعم عن السلع، وتحرير سعر العملة، وخفض الإنفاق الحكومي (عدم إنفاق الدولة على الخدمات من صحة وتعليم وغيرهما)، هذه السياسة الخالية من الرعاية هي روشتة يقدمها صندوق النقد الدولي بشكل ثابت ودوري لما سمي بدول العالم النامية، وقد درج الصندوق تقديمها للسودان سنوياً، مستبقاً الميزانية السنوية كشرط لاستحقاق القروض!

 

وأهم بنود روشتة صندوق النقد الدولي هي عدم تدخل الحكومة في الاقتصاد، والتخلي عن سياسات الدعم، وفرض ضرائب، ورفع الأسعار، وتعويم العملة، وتحفيز قنوات الاستثمار لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهذه السياسة هي سبب التشوهات في القطاع المالي وعجز الميزان التجاري لأنها تقضي على أي نوع من الإنتاج المحلي لارتفاع تكاليف الإنتاج.

 

هذه المبادئ الرأسمالية الأساسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي تقوم على أنَّ الدعم الحكومي والمستمر يُفترض أن يكون مرحلة انتقالية تنتهي برفع الدعم كليا لأن الاستهلاك هو المدخل الأساس إلى الانتعاش الاقتصادي في الفكر المبدئي الرأسمالي، والدعم يحدّ من الاستهلاك، وهذا يعني أن من لا يستطيع امتلاك المال لاستهلاكه لا يستحق الحياة!!

 

أما الادعاءات المضللة التي نراها في الإعلام من منتسبي الحكومة، أن الدعم لا يذهب للمحتاجين فهي مبررات الحكومة البائدة غير الواقعية نفسها لأن زيادة سعر الوقود والضرائب والجمارك يعني زيادة تكلفة الترحيل والإنتاج، فتضطر المصانع لزيادة أسعار السلعة وبالتالي يتأثر الفقراء قبل الأغنياء. أما معالجة برنامج (سلعتي) كامتصاص لغضب الناس فستكون في متناول يد فئات محددة أيضا ولن تعالج مشاكل المواصلات التي ازدادت تعرفتها إلى أضعاف، الأمر الذي يؤثر على المواطنين البسطاء أكثر من الأغنياء.

 

إن الإصرار على هذه السياسة التي تفتقد لحس الرعاية وتظهر الدولة بوجه بشع وتزيد من حرج حكومة الثورة، ناتج فعلا عن عجز في الموازنة، لكن كما أوضحنا سببها المباشر السياسات الاقتصادية التي لم تتغير عن سياسات النظام البائد، ما يعني زيادة المنصرفات مقابل الإيرادات فتضطر الحكومات للاستدانة من المؤسسات الخارجية أو الداخلية، وهذا الدين بالتأكيد عليه فائدة، والفائدة تتضاعف مع العجز عن السداد، وهكذا الدوامة لا تنتهي... ما يدعو الحكومات للتفكير في المليارات التي تصرفها على الدعم باعتبار أن بنود الصرف الأخرى أساسية لا يمكن المساس بها فتحاول الحكومة تخفيض هذا الدعم حتى إلغائه! والحقيقة أنها تجد نفسها مضطرة لذلك لأن المؤسسات التي تستدين منها تفرض هذا الشرط، لأنه يجعل للحكومة القدرة على تسديد ديونها بالفائدة خلال المدة المتفق عليها.

 

كون حكومة (الكفاءات) لا تعي أن السياسات التي يتبناها صندوق النقد الدولي تهدف إلى تحويل البلدان المقترضة إلى أسواق مفتوحة لتصريف بضائع الدول الرأسمالية بأسعار عالية، وتخلق الظروف الموضوعية لتحويل الاقتصاد القائم على التخطيط والتوجيه المركزي إلى اقتصاد سوق رأسمالي تعبث به الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف سوى الجشع ومزيد من الأرباح، حكومة كونها لا تعي هذه الحقيقة التي هي أوضح من الشمس في رابعة النهار، يجب المسارعة بتغيرها فوراً لأن حكومة تقع تحت سطوة صندوق النقد الدولي والجهات المقرضة، والتي تضع شروطا إصلاحية قاسية لتقدم خدماتها للدول ولا تراعي الأبعاد الإنسانية ليست أهلا للاستمرار في الحكم ولا لثانية واحدة، وهي حكومة تفقد حس الرعاية الذي هو واجب، بل من أهم واجبات الدولة بغض النظر عن الأحوال الاقتصادية ناهيك عن الإسلام الذي جعل الدولة راعية في المقام الأول.

 

على الرغم من الموارد المادية والبشرية الهائلة الظاهرة والباطنة في السودان فضلاً عن احتياطي النفط والمعادن، فإن غالبية أهل السودان يعيشون في فقر مدقع، حيث يحصل الفرد على أقل من دولار يومياً لتلبية احتياجاته الأساسية، فالبطالة الجماعية المتزايدة والهائلة، والزراعة والصناعة شبه المتوقفة والضرائب، والارتفاع اليومي في الأسعار، فضلاً عن إمدادات الطاقة باهظة التكلفة وغير المتاحة باستمرار، والتي تزيد مدخلات الإنتاج عامة هي الدليل الواضح على سوء إدارة واستغلال مواردنا، وسوء توزيع ثروتنا.

 

إن الاستثمار الحكومي في البنية التحتية والخدمات العامة من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية للناس، هو في حده الأدنى، بل هو غير موجود على الإطلاق، فأي تغيير هذا الذي أقر الماضي وزاد الطين بلة؟!

 

إن التغيير الحقيقي يتم بنصرة مشروع الإسلام الذي فيه حلول لكل مشاكل البشر، لأنه من مليك مقتدر وليس بوصفات الأعداء التي ما زادتنا إلا رجساً وضنكاً.

 

كتبته للمكتب الاعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذة غادة عبد الجبار (أم أواب) – الخرطوم

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع