الأحد، 08 ربيع الأول 1442هـ| 2020/10/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

يا معشر الشباب يا ملح التغيير، هاكم الميدان فانطلقوا

 

إن الأمة اليوم تتطلّع برمّتها لأي حراك في أي بلد من بلاد المسلمين، فهي اليوم في حالة حيوية وحركة، وهي وإن كانت عانت القهر والتضييق والملاحقة والتنكيل بأي حراك منها على يد الأنظمة الإجرامية التي تحكمها، التي استطاعت بمعونة الغرب الالتفاف على حركة الأمة وثوراتها واحتواءها، إلا أنها ما زالت تتوق إلى تغيير واقعها البائس وتنتظر الشرارة الأولى للحراك الحقيقي الذي سيأتي يوما ما ليخلصها مما هي فيه من ذل وبؤس ومهانة، فواقع الأمة أنها أمة فيها بعض الأفكار والمفاهيم الإسلامية، والمشاعر فيها مشاعر إسلامية، والروح الجماعية مركزة فيها، وضرورة التغيير يحركها هذا الواقع الفاسد الذي تعاني منه. فأمة هذا حالها، يدل على أن لديها طاقة كافية للتغيير، فلو تركت وشأنها لتحولت هذه الأحاسيس والمشاعر إلى فكر صحيح، ولكان هذا الفكر قد أنتج عملاً ينهض بالأمة ويغيِّر حالها.

 

قبل عقود من الآن كان مجرد التفكير في التغيير في نظر معظم الناس الذين عانوا الويلات، الخاصة منهم والعامة، هو حلماً غير قابل للتحقيق على أرض الواقع، وكانت البرامج السياسية البديلة التي تحملها الحركات والأحزاب العاملة للتغيير، مهما اتسمت بالصدق والقوة والجاذبية، فإنها لم تكن تعدو أن تكون أوهاماً لا حظ لها في الوصول إلى سدة الحكم، على الأقل في نظر عوام الناس الذين لفهم اليأس وأقعدهم الإحباط. هذا هو واقع أجيال نشأت وعانت من القهر والإذلال والاستعباد من فرعون وجنوده حتى فقدت كل أمل في التغيير. بل إنه واقع قوى سياسية بذلت ما بذلت من الجهود أملاً في إحداث تغيير ما فاصطدمت بعوائق قلّما شهد التاريخ لها مثيلاً، إذ كانت هذه العوائق شبكة من مصالح عصابات محلية حاكمة، وائتلاف للعصابات الإقليمية التي تتشكل منها الأنظمة الحاكمة في المنطقة والتي لم تنجح في شيء من التعاون إلا تعاون وزراء الداخلية، أي التعاون في مشاريع القمع والإرهاب وكبت الناس وتكميم أفواههم؛ ناهيك عن الدعم الغربي للأنظمة الديكتاتورية العميلة التي تحفظ مصالحه. لذلك لم يكن مستغرباً أن الطلائع الأولى في هذه الثورات كانت من جيل الشباب اليافع الذي تفتحت أعينه للتو على الحياة، والذي لم تتمكن العقد الموروثة جيلاً عن جيل من التسرّب إلى نفوسه بعد، فكان أسبق من آبائه في النزول إلى ميدان الثورة وإطلاق صيحة الغضب والرفض، وكان في حركته التي تسللت إلى الشارع عبر الشبكة الإلكترونية أسرع من الأجهزة القمعية والبلطجية التابعة للعصابة الحاكمة والتي اعتادت منذ عقود على قمع الناس وتكميم أفواههم وإحصاء أنفاسهم. حدث ذلك في الخامس والعشرين من يناير، وها هم يعيدون الكرة مرة ثانية برغم الخوف الذي بات يسربل الجميع بسبب بطش النظام وطغيانه. لقد استطاعوا أن يكسروا حاجز الخوف للمرة الثانية، ليثبتوا للنظام أنه لا يمكن أن يستقر له قرار، وأن أيامه باتت معدودة، وإن غدا لناظره قريب.

 

وإذا تأملنا الدعوة الإسلامية في بدايتها بمكة المكرمة وحتى صارت في النهاية بالمدينة المنورة دولة ومجتمعا قائما بذاته، نجد أن معظم الذين شاركوا في البناء كانوا من الشباب. إذ كانت أعمارهم تتراوح بين عشر سنين التي كانت من عُمُر علي رضي الله عنه وثلاثين سنة التي كانت من عُمُر بلال بن رباح وعمار بن ياسر رضي الله عنهما. هؤلاء الشباب على أكتافهم جميعا قامت الدعوة وانتصرت وانتشرت وتوسّعت وأصبح لها كيان منظم، له وزنه في الواقع يُحسب له ألف حساب.

 

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الأجيال من الشباب بالذرية. فقال سبحانه وتعالى في حقّ من آمن مع سيدنا موسى عليه السلام: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: 83]، والذرية كما جاء في تفسير ابن كثير هم الشباب. وفي معاجم اللغة العربية: الذُّرية: نسل الإنسان وولده وأبناؤه.

 

ونظرا لما كان يمثله الشباب بشكل عام من قوة الإرادة في التغيير والبناء ومواجهة مظاهر الفساد والاستبداد عبر التاريخ، فإن المستبدين والمفسدين (فرعون نموذجا) ما فتئوا يحرصون كل الحرص على قتل الفتيان قبل أن يصلوا مرحلة الشباب. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. [القصص: 4].

 

إن معظم من وُجهت لهم التهم وتعاملت معهم أنظمة الإجرام في بلادنا بالاعتقال والتصفية والاضطهاد والقمع والقتل، هم من فئة الشباب. هذا العامل البشري المهم في معادلة التغيير، والذي كان من الممكن أن يكون عماد التغيير وروحه ووقوده نحو مجتمع ناهض وغد أفضل. أصبحت تلك الفئة هي المستهدف الأول من مخططات الفساد والإفساد، وذلك بالتدجين والترويض، وبالإغراء والإغواء، وبالتجهيل والتفقير، وبالتهجير والتغريب... فلا عجب اليوم إذاً أن نرى شبابا تائها حيران يختار بعضه الغربة والمنفى والبعض الآخر يقف عكس مطالب التغيير وضدّ من يقاوم الفساد والاستبداد، بعد أن تم تضليلهم ومسخهم. وبرغم ذلك ما زالت أعناق الشباب تشرئب نحو التغيير، وتسعى نحو واقع أفضل من الواقع المفروض عليها. والصراع اليوم بين الأنظمة وبين العاملين للتغيير هو على كسب الشباب في صفهم، فهم قوام التغيير ولبناته، ولعل أهم ما يميز الشباب كقوة تغيير مجتمعية:

 

1- الشباب هم الأكثر طموحاً في المجتمع، وهذا يعني أن عملية التغيير لديهم لا تقف عند حدود، والحزب السياسي الذي يسعى للتغيير يجب أن يضع في سلم أولوياته استقطاب طاقات الشباب وتوظيفها باتجاه أهدافه التغييرية.

 

2- الشباب هم الأكثر تقبلاً للتغيير. هذه الحقيقة تعتبر ميزة رئيسية في عالم السياسة الذي هو عالم متحرك ومتغير ويحمل دائماً الجديد، ولذا نرى حرص الأنظمة الفاشلة على التلاعب بعقول الشباب والعمل على إدخالهم في دائرة مغلقة من الركض وراء المنافع المادية الخاصة التي تعمي الأبصار عن النظر في واقع مجتمعهم وما يجب أن يكون عليه.

 

3- التمتع بالحماس والحيوية فكراً وحركة، وبما يشكل طاقة جبارة نحو التقدم، فالشباب المتقد حماسة وحيوية في تفاعله مع معطيات السياسة ومتغيراتها ومع معطيات المجتمع ومتطلباته، هو الضمانة للتقدم بثبات، فيما الحركات السياسية التي لا تحظى بهذه الطاقة الخلاقة، فإنها مهددة بالانهيار والموت أو على أقل تقدير التقوقع والمراوحة في المكان ذاته.

 

4- العطاء دون حدود حين يكون مقتنعاً وواعياً لما يقوم به.

 

5- الشباب قوة مجتمعة مهمة بصفته قطاعاً بشريا رئيسياً في المجتمع، وكسب الحزب السياسي الساعي للتغيير لهذا القطاع يعني كسب معركة التغيير.

6- الشباب عنوان للقوة والفتوة؛ وهاتان الميزتان هما من المتطلبات الرئيسية للعمل السياسي. فالحزب الذي لا يضم في صفوفه الشباب، ولا يجدد عضويته بعناصر شابة ودماء جديدة، سيتحول مع الوقت إلى حزب مترهل وضعيف كمعلم من معالم الشيخوخة، فيما الحزب المتجدد بدماء الشباب في كل هيئاته ومستوياته القيادية، سيحافظ على شبابه المتجدد.

 

ولأننا في حاجة ماسة إلى التغيير الجذري الحقيقي وليس الشكلي الذي يكتفي بتغيير الوجوه دون تغيير النظام، يجب علينا الاعتناء بالشباب فهم ملح التغيير. وكما أنه قد قامت على أكتاف الشباب أعظم دولة عرفتها البشرية، فأمثالهم من شباب اليوم لا بد من أن يتقدموا صفوف حملة الدعوة العاملين للتغيير لتقوم على أكتافهم دولة الإسلام مرة ثانية التي وعدنا الله بها، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]، وبشر بها رسول الله ﷺ حين قال: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ».

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حامد عبد العزيز

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع