الأحد، 09 جمادى الثانية 1447هـ| 2025/11/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كيف يغلف الدين الإبراهيمي مشروع (إسرائيل الكبرى)؟

 

في غرفة مغلقة بإحدى العواصم الغربية، جلس ثلاثتهم حول طاولة مستديرة: شيخ مسلم بلحية مهذبة، وقس نصراني يمسك بإنجيل، وحاخام يهودي يتكئ على عصاه، ووراءهم خريطة بلا حدود واضحة... فقط نهر عابر وسماء مشرعة.

 

قال الحاخام بهدوء ممزوج بالدهاء: "آن أوان العودة للوعد، إسرائيل من الفرات إلى النيل".

 

ابتسم القس وهو يربت على كتف الشيخ: "باسم السلام الإبراهيمي، سنبني جنة الأديان الثلاثة، فلا حرب بعد اليوم".

 

نظر الشيخ إلى كفيه، ثم قال: "ما دامت الأرض ستعمر بالتوحيد، فليكن...".

 

في الخارج، كان يعاد رسم الخرائط، لا بالحروب فقط، بل بالنصوص المقدسة المؤولة، التي استخدمت لتمرير مشروع لا يحمل من القداسة إلا اسمها، بينما الشعوب تساق نحو "الحلم" الذي لم تحلم به قط.

 

إن فهمنا لهذا الغلاف الديني لمشروع (إسرائيل الكبرى) هو المفتاح لفهم طبيعة الصراع المعاصر.

 

مع عودة خاطفة لبدايات الحركة الصهيونية، نجد أنه تم ربط فكرة "الأرض الموعودة" لدى اليهود بسيدنا إبراهيم عليه السلام، كما جاء في سفر التكوين (وردت كلمة الرب إلى إبراهيم: لك ولذريتك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر العظيم نهر الفرات)، ومن ثم تحولت هذه الفكرة إلى مشروع سياسي يعمل على تحقيق هذا الوعد من خلال توسيع النفوذ وتفتيت دول الشرق الأوسط مدعوما من النصرانية الصهيونية (الذين يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل يمهد للعودة الثانية للمسيح، وأن قيام معركة هار مجدون في الشرق الأوسط يتطلب أن تكون إسرائيل في موضع قوة) وفاء لهذا العهد (الإلهي).

 

وها نحن اليوم في صدد دعوة لدين إبراهيمي يُستخدم كغطاء أخلاقي يسوغ مشروعا توسعيا مربوطا بنصوص تربط سيدنا إبراهيم عليه السلام بالأرض لإضعاف أي نقد داخلي أو إقليمي لهذا المشروع، كما يستخدم كخطاب سلام عالمي يقوم على دمج الأديان السماوية تحت مظلة توحيدية مركزها القدس كعاصمة موحدة لكيان يهود تمهيدا لشرعنة ضمها ولقبول فكرة إزالة المسجد الأقصى لصالح الهيكل، أي صياغة شرق أوسط جديد يكون كيان يهود قلبه النابض دينيا واقتصاديا كما أشار إليه نتنياهو في جميع خطاباته.

 

فنحن اليوم في مواجهة دين إبراهيمي جديد يطمس الهويات ويمهد الطريق باسم السلام من خلال التطبيع مع كيان يهود، ولنا في الإمارات نموذجا حيا حيث تم تأسيس "بيت العائلة الإبراهيمية" بعد توقيع اتفاقية أبراهام التي ينادي ترامب اليوم الدول العربية لإبرامها.

 

ولن يسعنا المقال لتوضيح كيف يستقطب هذا الدين ضحاياه، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه يتم بالتدريج، والتغليف بالقيم، والتلاعب بالمفاهيم من خلال تغيير المناهج والخطاب الديني من جهة وبين التخويف من الإسلام السياسي من جهة أخرى، وبالتالي لا يشعرون أنهم فقدوا شيئا من دينهم... بينما الحقيقة أنهم تخلوا عن أهم ما فيه! قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 

إن خطورة ما يسمى بالدين الإبراهيمي لا تكمن فقط في كونه خطاباً سياسياً مغلفاً بالدين بل في قدرته على إعادة إنتاج الاستعمار بلغة روحية ناعمة تُجرِّد الأمة من أدوات الرفض والمقاومة باسم التسامح والانفتاح.

 

فهو لا يكتفي بتزييف المفاهيم بل يعيد تشكيل الوعي تدريجياً ليجعل التطبيع قدراً والتنازل فضيلة، والاحتلال شريكاً في القداسة فيتحول الصراع من معركة وجود إلى خلاف وجهات نظر، ومن قضية أمة إلى حوار أديان، وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب حين يُنتزع منها معيار الحق ويُستبدل به منطق "التوافق الدولي" تحت شعار السلام.

 

فالحرب اليوم هي حرب دين وهوية، لكنهم غفلوا أو تجاهلوا أن لديننا خاتما وله كتاب لا يحرّف ونبيا لا ينسى وأمة ما خضعت لغير الله وإن انحنت بسبب العواصف لكنها لا تموت ولا تطمس بل لها مشروع إسلامي لا يذوب، ولا يتنازل، ولا يقايض الحق بالوهم، لأنه من عند الله، وأنه حين يعود لا يعود برداء "القبول العالمي" أو "التسامح المصطنع"، بل بميزان العدل، وصوت الحق، وراية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

فليخططوا كما شاؤوا، فإن مكرهم إلى زوال، وإن وعد الله حق، ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع