- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
وحدة الأمة الإسلامية لا اتحاد الدول الإسلامية: السبيل إلى نهضة جامعة وتغيير جذري
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا» وَخَطَّ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾. حديث صحيح رواه أحمد والنسائي
إن قضية توحيد الأمة وتغيير واقعها ليست محل خلاف بين المسلمين. فالغالبية العظمى من المسلمين نُخباً ومفكرين، عامة وعلماء، يُجمعون على ضرورة النهضة ويلتمسون السبل لجمع طاقات المسلمين وتوحيد قواهم. لكن في عملهم للنهضة أفراد وجماعات تفرقت بهم السبل. وعند التدقيق في الحديث الشريف والآية الكريمة من سورة الأنعام ندرك أن الأمة تواجه في معركتها مع الباطل طرقاً مشبوهة ومذاهب للباطل تكاد تضل كثيراً من الناس إلا من عصم الله.
إنَّه مما يجب أن يكون مُسلَّماً به في ذهن المسلم: مفهوم الأمة الواحدة، أي أننا نحن المسلمين أمة من دون الناس، فالرابط الذي يجب أن نجتمع عليه إذاً في طريق النهضة هو العقيدة الإسلامية. وهذا هو الرابط الذي يصلح حقاً لتغيير واقع أمتنا وإعادتها للمكان الذي ارتضاه لها رب العالمين: خير أمة، نُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وهذا المفهوم يجب أن يتجسد في الأمة وبنيها وجماعاتها فكراً وشعوراً، فيُنتج عملاً سياسياً يصهر حركة الأمة ويحوّلها من مجرد مشاعر تُفرغ في منشورات وترندات على وسائل التواصل إلى رأي عام منبثق عن وعي عام وحركة سياسية فاعلة في المجتمع تتقصد التغيير الجذري لإنهاء أي وجود لكل ما يعيق وحدة الأمة الفعلية.
وحين نقول إن مفهوم الأمة الواحدة يجب أن يتحول من مشاعر إلى فكر وشعور منبثق عن الفكر فهذا لأننا أصالة مسلمون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونقرأ كل يوم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ونحفظ أحاديث رسول الله: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، «الْمُسْلِمُونَ أُمَّةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، فالمسلم الصومالي أقرب للمسلم في فلسطين من النصراني جاره، والمسلم في أقصى الهند أقرب للمسلم في سوريا من الدرزي والعلوي. والحديث هنا ليس عن حسن المعاملة للجيران وإنما عن الرابط الفكري والشعوري الذي يجتمع عليه المسلمون وينبثق من عقيدتنا. رابط جاء به الوحي، لا يرتبط بعصبات ولا قبلية ولا وطنية.
أي أن الأصل في الأمة أنها تحتكم لهذه العقيدة التي لا تقبل بحدود مصطنعة تمزق الجسد المسلم، فلا يجوز لمسلم أن يخلط بين ولائه للأمة والعقيدة ثم يتغنى بحبه للوطن، فهذا فوق أنه حرام فهو مؤشر لاهتزاز في المعايير وميوعة في الفكر لدى صاحبه. فكيف يقبل مسلم على نفسه بعد أن يقرأ حديث رسول الله «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» ثم يطاوعه قلبه أن ينادي بالوطنية أو يتجرأ بالقول إن حب الأوطان من الإسلام؟ ومرة أخرى: حب المرء للمكان أو البلد الذي نشأ فيه شيء، وربط هذه المشاعر بالولاء الفكري والانتماء العقدي أمر مغاير تماماً. الأول فطرة والثاني مخالفة لعقيدة الولاء والبراء.
أما الشق الآخر للمسألة وهو تحويل فكرة وحدة الأمة، على رابطة العقيدة الإسلامية التي ارتضاها الله لنا، ونبذ ما سواها من روابط سواء وطنية أو قومية، إلى رأي عام في الأمة ينتج حركة سياسية فاعلة. فهذا أيضاً مرتبط بشكل وثيق بكون الإسلام رسالة الله للناس جميعاً، وهو أيضاً مبدأ سياسي بامتياز، فالعقيدة المحمدية عقيدة تصنع رجال دولة بالدرجة الأولى، لا أقاصرة ولا رجال دين. فهذا الدين يربِّي رجاله ونساءه أنَّهم مستخلفون في الأرض، ومهمَّة المسلم الأسمى هي تعريف الناس بربِّهم سبحانه وتعالى، وهذه المفاهيم هي مفاهيم سياسية تحتاج دولة تحملها، كما كانت دولة الإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا من الزمان تحمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد، ولسان قادة جيشها وحكامها: أسلم تسلم، وابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. والمتفكر في هذا يرى الفرق بين الإسلام ورعايته للناس ورحمة سياسييه وعدلهم وبين تجبر قادة الغرب وسياسيّيه الذين يرتكبون كل الموبقات في سبيل نهب ثروات الشعوب وحماية مصالحهم.
ولمَّا كانت العقيدة الإسلامية تصنع الولاء بناء على الفكر وتجعل الانتماء للأمة والدين وليس للحدود والتراب أو العائلة المالكة، كانت قطعاً عدوّا للدولة الوطنية، ووجودها يشكل خطراً على عروش كل الأنظمة الموجودة في البلاد الإسلامية اليوم، لذلك فإن الدعوة لإقامة الخلافة هي الخطر الأعظم على كل الحكام الذين يمثلون الدول الوطنية التي تكرِّس الحدود في جسد الأمة الواحدة، ويوظفون جيوشهم لحماية الحدود والعروش، مرتكبين منكراً وإثماً عظيماً، لا يقل فظاعة عن منكر تعطيل الشريعة.
فالدعوة لتوحيد الأمة دعوة سياسية واضحة: أن تعود الأمة جسداً واحداً له حاكم واحد، تحتكم لعقيدتها في جميع شؤونها: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، تعليم ورعاية شؤون في الداخل والخارج. دولة واحدة من إندونيسيا شرقاً للمغرب العربي بلا حدود ولا حواجز، مترامية الأطراف، يسافر المرء فيها بلا جواز سفر ولا تفتيش على الحدود القطرية المصطنعة. بيت المال فيها يوزع على أساس الإسلام لجميع المسلمين دون اعتبار للجغرافيا، فالزكاة تُجمع من كل من تجب عليه من المسلمين وتُعطى لمستحقيها أينما كانوا، وكذلك أجهزة الأمن والشرطة مرجعيتها لدولة واحدة، فلا يختلف القانون في الكويت مثلا عن القانون في باقي الجزيرة العربية، ولا وجود لمصطلحات مثل: شعب شقيق أو الأشقاء العرب كالدارج الحديث فيه عند وقوع نازلة ببلد من بلاد المسلمين.. بل الأصل أننا أمة واحدة لها دولة واحدة وحين تنزل بأي منطقة من مناطق المسلمين نازلة سواء حرب أو غيرها تجد الأمة كلها وعلى رأسها الدولة تتداعى لحماية المسلمين ومصالحهم.. فجيش دولة الخلافة سيكون جيشاً مهمته الجهاد وحماية الأمة والدولة: الأمة المسلمة أينما كانت، لا الشعب الذي يرتبط الولاء عنده بحدود تفصله عن باقي الأمة. ويكون الأمن الداخلي في الدولة موجوداً لحماية مصالح الناس ورعايتهم على أساس الإسلام، فلا فتن ولا اقتتال داخلي.. بل الإسلام الذي حمى مصالح الناس وكراماتهم وأمنهم مسلمين كانوا أم غير مسلمين، بالحق والعدل.
هذه هي الوحدة التي ننشدها: دولة واحدة السيادة فيها للشرع والسلطان فيها للأمة، لا دويلاتٍ السيادة فيها لسفير أمريكا أو بريطانيا، والسلطان فيها لطبقة سياسية عميلة ترعى مصالحها ومصالح أسيادها، ثم لذر الرماد في عيون الناس يتشدقون بضرورة إيجاد اتحاد بين الدول الإسلامية أو العربية.. وهم أس الداء والبلاء بأنظمتهم التي تحكم بغير الإسلام وتنفذ إملاءات العدو.
والقارئ بعين الوحي لمجريات الأحداث يدرك أن وحدة الأمة الحقيقية باتت أمراً واقعاً ملموساً في وجدان الأمة، سيتجسد قريباً واقعاً سياسياً عبر دولة الخلافة، رغم مكر الطغاة وبطشهم. وحينها سيدرك الغافلون مدى قوة الأمة وكم تملك من طاقات، وسيرى العالم كيف هي السياسة الحقيقية التي ترعاهم بالرحمة والعدل.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً﴾
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بيان جمال



