الخميس، 10 شعبان 1447هـ| 2026/01/29م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

واقع الأمة الإسلامية اليوم

بين خذلان الأنظمة وواجب إقامة الخلافة على أنقاضها

 

في ظلال ذكرى هدم الخلافة، تمرّ الأمة الإسلامية، وخصوصاً في العامين الأخيرين، بمرحلةٍ استثنائية، عنوانها هو الخذلان وتكشّف أعداء الأمة والخاذلين لها. أمّا معنى الخذلان فهو أن يكون للمرء أو الدولة القدرة على نصرة الملهوف ثم لا ينصره، وهو كبيرة من الكبائر بدلالة الحديث الشريف: «مَنْ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يُصْبِحُ وَيُمْسِي نَاصِحاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» أخرجه الطبراني، وروى الإمام أحمد أن الرسول ﷺ قال: «وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرَصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعاً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ» وهذا عينُ ما حصل وما زال يحصل مع أهل فلسطين على مدار نحو ثمانين عاماً، وما زال الخذلان مستمراً إلى يوم الناس هذا، بل وامتد إلى السودان بعد أن مر على أهل بورما وتركستان الشرقية وكشمير وغيرها.

 

أمّا مَن الذي خذل الأمة عموماً، وأهل الأرض المباركة خصوصاً، فهم الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين وقادة جيوشها وكثير من علمائها ووجهائها، فهم من قال سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ولا نذكر هنا خذلان النظام الدولي، فهؤلاء قد تجاوزوا مراحل الخذلان إلى العداء وما بعده من الوحشية والبطش وضرب القيم النبيلة عرض الحائط، هذا بعد أن ارتد عن مبادئه التي طالما تغنى بها، مثل الحرية وحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة وغيرها، وإنما الحديث هنا عن خذلان الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، بكل مكوناتها، لا عن الحكام فقط.

 

وأشكال خذلان هذه الأنظمة للأمة كثيرة منها:

 

أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله، حيث تحكم هذه الأنظمة بالكفر، بأنظمة علمانية تفصل الدين الحنيف عن حياة الناس، ما استوجب نزول غضب الله سبحانه وتعالى عليها، وحوّل حياة الناس إلى جحيم على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية وفي جميع شؤونهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ وهذا ما جعل هذه الأنظمة والقائمين عليها إمّا كفاراً أو ظَلَمة أو فَسَقة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. والحكم بغير ما أنزل الله يعني عدم اتخاذ الإسلام نظاما ترعى شؤون الناس بحسبه، وأحكامه مقياساً لأعمال الأنظمة وواجباتها تجاه الأمة وقضاياها. ولأن هذه الأنظمة قطرية وطنية، فقد اتخذت القضايا القطرية والوطنية قضاياها الوحيدة، ولم تعتبر أي قضية خارج ذلك شأناً يعنيها، خلافاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وخلافاً لمعنى وحدة الأمة وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، وقد جاء ذلك في قوله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم. ولذلك لم تجد هذه الأنظمة العلمانية القطرية أنّ من واجبها نصرة المسلمين، ولو كانوا من أهل الأرض المباركة فلسطين، فكان حالها كحال الأنظمة الغربية المعادية للأمة، فهي إما أنها ترقب المجرم وهو يفتك بالمسلمين ولا تحرك ساكنا، وإما أنها تدعم القاتل في جرائمه.

 

ثانياً: حبس الجيوش عن نصرة المسلمين وقضاياها ومنها قضية الأرض المباركة فلسطين، فالشكل الثاني من الخذلان هو حبس الأنظمة لجيوش المسلمين عن نصرة أهلهم المضطهدين في كل مكان ومنهم في الأرض المباركة فلسطين، وعن تحرير المسجد الأقصى من دنس يهود؛ لأنّ قضية فلسطين قضية عسكرية في المقام الأول، لا سياسية أو إنسانية فحسب. والقضايا العسكرية تُحسم بالعسكر، لا على طاولة المفاوضات ولا في أروقة جمعيات حقوق الإنسان أو منظمة الأمم المتحدة المتآمرة على الأمة، فلم تستنفر هذه الأنظمة أبناء الأمة من الجيوش الجرارة في البلاد الإسلامية لنصرة إخوانهم المضطهدين في فلسطين وكشمير وبورما وتركستان الشرقية وغيرها، وكيف تنتصر هذه الأنظمة للأمة وهي أنظمة علمانية عميلة للكافر المستعمر الذي يشن الحملة الصليبية تلو الحملة للنيل من الأمة؟! وكيف يشعر حكام هذه الأمة بما تشعر به الأمة من ألم وهم لا ينتمون لها، ومنهم من لا يتقن لغتها؟! فلا يفهم هؤلاء الحكام معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. إن ذكر الخذلان العسكري لا يقتصر على الحكام فقط، على الرغم من كونهم المسؤولين الأوائل، بل يشترك معهم السياسيون والوزراء وقيادات الأركان وأجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية، فهؤلاء جميعاً أصحاب نفوذ، وهم من يطلق عليهم كلمة النظام وهم من يملكون الأخذ على يد الحاكم الأول في البلاد. وهم الحكام بمجموعهم ضمن التشكيلة الديمقراطية لبلدانهم العلمانية، أو ما يطلق عليه بالسلطة التنفيذية. ولا يُقبل القول إنّهم ملتزمون بما فرضه عليهم الحاكم أو القانون الدولي، أو معاهدات التطبيع الخيانية؛ إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» رواه البخاري. كما أن الخذلان مخالفٌ للعقيدة العسكرية في الإسلام، ومخالف للقوانين الوضعية والأعراف الدولية، وقد ورد صريحاً في قرارات محكمة العدل والجنايات الدوليتين. لذلك كان خذلان الأنظمة كبيرة من الكبائر.

 

ثالثاً: خذلان العلماء والمشايخ والمؤثرين ورجال الأعمال وأهل الحلّ والعقد

 

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ فهؤلاء هم بيضة القبان في المجتمع، ولا يستطيع أي نظام أن يتجاوزهم، فهم يسيطرون على مفاصل المجتمع، ويملكون القدرة على الأخذ على يد الحكام إن أرادوا. ومهما كان النظام طاغية، فهو لا يستطيع تجاوز هذه الشريحة القوية، التي تعادل قوتها قوة الجيوش والقبائل وغيرها. وقصة العز بن عبد السلام، الملقّب ببائع الملوك، دليل على قدرة العلماء، ليس على الأخذ على أيدي الحكام فحسب، بل وعلى بيعهم في سوق الرقيق. وكذلك وجهاء القبائل الذين يفرضون إرادتهم على أبنائهم في الجيوش وفي المناصب الحساسة، كما لا يخفى على عاقل دور أصحاب رؤوس الأموال وقدرتهم على التأثير على اختيار صناع القرار والتأثير عليهم. وقد حث الشرع على اتخاذ البطانة الصالحة، في دلالة على أهمية هذه الشريحة في صناعة القرار، وحذر من بطانة السوء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ فهذه الشريحة التي خذلت الأمة وأهل الأرض المباركة، ومنهم أهل غزة، تشارك الحكام في الإثم سواء؛ لأن ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجلب غضب الله، كما قال ﷺ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشْكِنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عُقُوبَةً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ». رواه أحمد والترمذي، فالسكوت يعمّ الجميع بالعذاب ويحرِم استجابة الدعاء.

 

العمل المطلوب الآن ودون تأخير

 

بعد أن تبيّن أصل الداء وأُسّ البلاء، وهو هذه الأنظمة وأذرعها، صار العلاج واضحاً، وواجباً شاخصاً عند الجميع، لا يختلف عليه اثنان، وخصوصاً المخلصون الذين تغلي الدماء في عروقهم من هول ما يرون، والذين يخشون يوم الحساب ويرجون رضوان الله وجنات عرضها السماوات والأرض. والواجب الواضح هو الإطاحة بهذه الأنظمة وأذرعها، وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة على أنقاضها، ويتلخص العمل المطلوب في نقطتين:

 

أولا: تبنّي مشروع الخلافة

 

يجب على جميع المخلصين من مختلف شرائح الأمة، حركات وعلماء ومشايخ ورجال أعمال وأهل حل وعقد ووجهاء، تبنّي مشروع الخلافة الذي يدعو إليه حزب التحرير، واعتبار الخلافة على منهاج النبوة مطلباً لهم وللأمة. وقد أوضح الحزب معالم الخلافة وتفاصيلها في كتبه وإصداراته، وهي متاحة لكل من يبتغي وجه الله.

 

ثانيا: إعطاء النصرة من أهل القوة والمنعة

 

يجب على أهل القوة والمنعة من الضباط المخلصين في جيوش الأمة إعطاء النصرة لحزب التحرير، والإطاحة بجميع العروش الفاسدة، وكنس بطانتهم، وتخليص البلاد والعباد من أذرع الاستعمار والمنبطحين له. كما يجب على جميع الحركات والعلماء والمشايخ وأهل الحلّ والعقد ووجهاء الناس وعامة المسلمين مطالبة أهل القوة والمنعة بإعطاء النصرة للحزب، ومبايعة أمير الحزب العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة خليفةً راشداً في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

وأخيراً: إنّ النصر بيد الله وحده لا شريك له، وهو سبحانه ينصر من ينصره، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وعليه، فالعاملون المخلصون لهذا الدين يجب ألا يشكّوا في نصر الله لهم إذا أدّوا واجبهم؛ فالنصر وعد الله، وليست نُصرةُ هذا الدين منّةً على الله، بل هي واجب وشرف عظيم لا يناله إلا من كان أهلاً له، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع