- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين الصراع الفكري والكفاح السياسي في منهج الدعوة
يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، إن خير تفسير وشرح لهذه الآية الكريمة هي سيرة المصطفى ﷺ، فهو صاحب الرسالة وهو الذي بلّغها كما أراد الله منه أن يبلّغها فكرة وطريقة وأساليب، وقد كان لنا عبر ودروس من سيرة المصطفى منها:
1. أن حمل الدعوة يكون واضحاً لا مراء فيه ولا غموض، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وهذا الوضوح هو الذي يبرئ الذمّة، إذ إن القصد من القيام بأعمال حمل الدعوة هو إبراء للذمّة، لذلك يجب إيصال الفكرة واضحة وجليّة دون تحرّج أو غموض أو مجاملة أو مراعاة للمجتمع والناس وما هم عليه من أفكار وعادات وتقاليد، وما يحملون من أفكار مناقضة للدعوة أو استنكارهم لأفكار الدعوة أو تلكُّؤهم لحملها كما يحملها حملة الدعوة.
2. أن الوضوح في حمل الدعوة لا يتناقض مع الحكمة وحسن التأتي، فالحكمة هي طرح الفكرة وشرحها والتدليل عليها بالأدلّة الشرعيّة التي تثبت صحتها حتّى يحمل حامل الدعوة الناس على حملها، وهذا يتطلّب عدم مراعاة مشاعر الناس إن كانوا يحملون فكرة أو عندهم عادة تخالف ما جاء به الوحي ومن حملوا رسالته، فالمجاملة في هذا المقام تكون على حساب الدعوة، وهذا عين ما غاظ كفّار قريش من صلاة رسول الله ﷺ في ظلّ الكعبة، ووضعوا على ظهره مخلّفات الجزور وهدّد أبو جهل أن يطأ رأس رسول الله ﷺ إن صلّى في صحن الكعبة، ولم يثنِ ذلك الرسول ﷺ، بل ظلّ يصلّي سافراً متحدّياً إرادة كفّار قريش وما هو عليه المجتمع من شرك كان يحيط بالكعبة المشرفة.
3. أن طبيعة الدعوة التي جاءت للنهضة بالأمّة من خلال قلع كلّ ما فُرض عليهم من ضلالات وفساد وسوء أفهام... إلخ، أن طبيعة هذه الدعوة تقتضي المواجهة والصراع، لذلك كان ملخّص طريقة الرسول ﷺ في حمل الدعوة مفهوم "الصراع الفكري والكفاح السياسي"، فكما أن الكفاح السياسي هو صراع بين حملة الدعوة والأنظمة التي لا تحكم بالإسلام ومنازعتهم على الحكم لانتزاعها منهم انتزاعاً، كذلك الصراع الفكري، وهو نقض ما عند الناس من مفاهيم مغلوطة أو فاسدة وإلزامهم بحمل وتبنّي أفكار الدعوة الصحيحة، لذلك لا يتصوّر أن تتم عمليّة استبدال الحق بالباطل بسهولة ويسر دون حصول صراع وكفاح.
4. أن محاولة حامل الدعوة مسك العصا من المنتصف، في أن يحمل الدعوة واضحة ومباشرة، وفي الوقت نفسه مراعاة ما يحمله الناس من أفكار وآراء، هي محاولة مكتوب عليها الفشل، فهي بالتأكيد تفرض طريقة الحلّ الوسط أو البراغماتيّة في حمل الدعوة، أي انحراف حامل الدعوة عن الطريق الصحيح والفكرة السليمة، فلا يظنّ حامل الدعوة أن مسك العصا من المنتصف حكمة أو حسن تأتٍّ، بل هو تنازل عن الدعوة ومساومة عليها، وفي النهاية سيكون بين خيارين إمّا أن يلتزم بحمل الدعوة كما هو مبرِّئ للذّمّة أو يرضي الناس بالتنازل أو بعدم القيام بأعمال حمل الدعوة أو تشويه الدعوة حتّى يرضي الناس ولا يستثيرهم عليه.
5. أجواء الصراع الفكري كانت أوَّل دخول المجتمع والتفاعل معه، وظلّت عدّة سنين، ولكن اليوم تغيّر حال الأمّة فأصبحت محبّة للإسلام ومقبلة على الدعوة، وأصبحت مدركة أن أيّ فكر غير فكر الدعوة فاسد، واتّضحت الصورة عند الجميع، فأصبحت الأمّة تدرك فساد وبطلان الحضارة الغربيّة وما تمخّض عنها من فكر وحكّام مأجورين وأنظمة فاسدة، وأصبحت الأمّة تتلمّس سبيلاً للخلاص في الإسلام، لذلك كان دور حامل الدعوة محصوراً في ملء الفراغ الفكري والسياسي القائم في الأمّة، لذلك يجب على حملة الدعوة أن يكونوا مطمئنين أن بضاعتهم مطلوبة من الأمّة، فلا يتردّدوا في طرحها وشرحها صافية نقيّة واضحة ومباشرة، ويجب أن يكونوا مطمئنين بأنَّ الناس ستقبل عليهم وعلى حمل دعوتهم دون تردّد بإذن الله.
6. الشريحة الوحيدة التي ظلّت ترفض الدعوة وتحاربها هي حصراً الأنظمة ورجالاتها ومن يقوم مقامها، من علماء سلطان ومفكّرين مأجورين ومنتفعين من الأنظمة الفاسدة، لذلك يجب أن لا يختلط على حامل الدعوة إن ردَّه أحد هؤلاء الفاسدين، ويجب عليه أن يعلم بأنَّ هؤلاء لا يمثّلون الأمّة ولا ينطقون بحال الناس، بل هم شيء والأمّة شيء آخر، وهم في وادٍ والأمّة في وادٍ آخر، وإنْ تحدَّثوا باسم الأمّة وباسم الإسلام، فحديثهم باسم الناس وادِّعاؤهم تمثيل الأمّة هو غصب لفكر الأمّة وحسّها وتلبيس وتدليس على الأمّة، مستغلّين جهل عامّة الناس في الأحكام الشرعيّة العامّة والتفصيليّة، ومستغلّين الجهل في الواقع السياسي للأنظمة والموالين لها، أمَّا عامّة الناس والفئة المخلصة والمفكِّرة والمؤثِّرة، وهم بيضّة القبان في الأمّة، فهم بانتظار حامل الدعوة وما يحمل لهم بفارغ الصَّبر ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بلال المهاجر – ولاية باكستان



