- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أخطر الهزائم تلك التي نحتفل بها انتصاراً! سوريا مثالا
لقد اعتادت شعوب الشرق الأوسط، عبر عقود من الصراعات والانقلابات والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، أن تعيش داخل خطاب مزدوج: واقع يضغط بثقله، ورواية رسمية أو شعبية تحاول تخفيف وطأته عبر إعادة تفسير ما حدث. وهكذا نشأت ثقافة كاملة تتقن فن تحويل الانكسار إلى سردية صمود، والفشل إلى بطولة، والخسارة إلى إنجاز معنوي.
حين يصبح البقاء إنجازاً:
في كثير من دول المنطقة، مجرد استمرار الدولة، أو بقاء النظام، أو عدم انهيار المجتمع، يُقدَّم باعتباره نصراً. لكن البقاء في ذاته لا يعني التقدم؛ فالدول قد تبقى وهي تتآكل من الداخل، والمجتمعات قد تصمد وهي تفقد قدرتها على الحلم.
حين تتحول النجاة من الأسوأ إلى سقف الطموح الأعلى، تتوقف المشاريع الكبرى، وتصبح محاولة إصلاح الاقتصاد رفاهية، وبناء المؤسسات ترفاً، والحديث عن الحريات أعلى مستويات الترف. وتبدأ الهزيمة الحقيقية هنا، حين نقنع أنفسنا أن الحد الأدنى هو أقصى الممكن!
ومثالها: ما شهدته مدينة حماة عام 1982؛ مواجهة دامية بين النظام بقيادة حافظ أسد ومجموعة مسلحة من الإخوان المسلمين، انتهت بسيطرة كاملة للدولة على المدينة، بعد مجازر يندى لها الجبين، وتركت أثراً عميقاً في سوريا لعقود لاحقة.
حيث إن رواية النظام هي استعادة الدولة، وقُدِّم ذلك باعتباره انتصاراً حاسماً للدولة على ما سُمّي تمرداً مسلحاً، انطلاقاً من فكرة أن الدولة بقيت ولم تنهَر. وفرض واقع جديد؛ أصبح الخوف جزءاً من المجال العام، وتحولت السياسة إلى مساحة مغلقة، واختار الناس الصمت بوصفه وسيلة للنجاة، وفُرض عليهم الاحتفال سنوياً بنصر الدولة!
حين يصبح الاقتصاد هزيمة مؤجلة:
حيث تُعلن خطط الإصلاح كل بضعة سنوات، وتبشَّر الشعوب بمرحلة جديدة من الازدهار، لكن النتائج غالباً ما تكون إعادة تدوير للأزمات نفسها. الديون تتضخم، والبطالة تتبدل أسماؤها فقط، والتضخم يصبح ضيفاً دائماً على موائد الناس. ومع ذلك ترتفع الأسعار 300%، وتخرج الحكومة وتبشر الناس بأنها فرضت تخفيضاً إلى النصف، فيتم الاحتفال باستقرار الأسعار! وترتفع المحروقات والطاقة إلى 500%، فتخرج الحكومة وتلقي بُشراها لأنها خفضتها إلى 200%! وهنا تتحول إدارة الأزمة إلى إنجاز، لا حلها، وتصبح القدرة على تأخير الانفجار الاقتصادي نجاحاً سياسياً. وكلما كان السياسيون والنخب أكثر كذباً، كان الانتصار أكثر بريقاً. وهذا مثاله طوال فترة آل الأسد.
حين تصبح السياسة بين الواقع والوهم:
سياسياً تتكرر دورة متشابهة؛ تُعقد التسويات بعد سنوات من النزاع، وتُقدَّم بوصفها انتصاراً لكل الأطراف. ويعلن الجميع أنهم ربحوا، بينما يعرف الجميع في أعماقهم أن شيئاً جوهرياً لم يتغير. تستمر الأزمات لأن أحداً لا يريد الاعتراف بالخسارة؛ فالاعتراف يعني المراجعة، والمراجعة تعني المساءلة، والمساءلة تهديد لمنظومات كاملة قامت على سرديات البطولة.
ومثاله فترة بشار الأسد: كان الخطاب السياسي يقوم على فكرة أساسية؛ أن الدولة تواجه تهديداً وجودياً. الحرب، تعدد القوى المسلحة، التدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية جعلت الأولوية المعلنة هي منع انهيار الدولة. حيث اتجهت الدولة نحو تشديد القبضة الأمنية، وتحالفات إقليمية ودولية متغيرة، وقبول تسويات جزئية بدل حلول شاملة. وكانت الرسالة واضحة: الواقعية تعني البقاء أولاً.
حين يصبح المجتمع... ذاكرة مثقلة:
وهي الأكثر خطورة، لأن الأجيال الجديدة تنشأ داخل هذا المناخ الرمزي. تسمع قصص الانتصارات الوهمية أكثر مما ترى نتائجها، وتتعلّم الفخر قبل أن تتعلم النقد. ومع مرور الوقت تصبح القدرة على الاعتراف بالخطأ ضعفاً أخلاقياً بدلاً من أن تكون شجاعة فكرية. وحين يفقد المجتمع مهارة النقد الذاتي يبدأ بتكرار أخطائه بوصفها تقاليد.
حين تصبح الهزيمة التي تستحق الاحتفال:
لا نقصد هنا جلد الذات أو إنكار لحظات الصمود الحقيقية، أو غفلة عن حالة الانتصار التي شعر بها الناس بسقوط طاغية من طواغيت هذه المنطقة، التي عرفتها شعوب الشرق الأوسط، وخاصة بلاد الشام، المليئة بقصص التضحية والكرامة والبقاء رغم العواصف. لكن الفرق كبير بين الاحتفال بالصمود والإنكار الجماعي للواقع.
وهنا يأتي وهم الاستقرار؛ فبينما استعادت البلاد بقيت أزمة الاقتصاد عميقة، والهجرة والنزوح واسعة أو دون حل، والثقة المجتمعية متصدعة.
والسؤال: هل يكفي إسقاط رأس النظام وتتوقف المعركة كي نعلن انتهاء الأزمة؟
إذا لم تُحل الأسباب السياسية والإنسانية التي أدت إلى الانفجار أصلاً، فإن إعلان النصر أو الاستقرار قد يكون أقرب إلى إدارة الأزمة لا إنهاءها.
ومع الأسف، الجميع واقعي، والجميع يعيش وهماً؛ الدولة الجديدة بعد إسقاط رأس النظام (وهي لحظات أثلجت صدور الأمة كاملة) قالت إنها انتصرت لأنها بقيت وزال الرئيس السابق. والنظام السابق دون رأسه رأوا أنهم انتصروا لأنهم لم يختفوا ولم يُحاسبوا على جرائمهم؛ أقلها أنهم كانوا أدوات الرئيس المخلوع، وأعلاها المجازر التي مورست على أهل السنة. والقوى الخارجية اعتبرت نفسها رابحة لأنها ثبتت نفوذها، وأصبح رئيس أمريكا، زعيم المجازر كلها، يفتخر بوصول الحكومة الانتقالية إلى السلطة.
لذلك في سوريا لم تعد السياسة مجرد صراع على السلطة، بل أصبح الواقع نفسه موضوعاً للصراع. قيل إن الواقعية تقتضي الصمود مهما كانت الكلفة! وقيل إن البدائل أكثر خطراً من الحاضر! ... وقيل ... وقيل.
حينما لا يعود الوهم كذبة صريحة، بل يصبح طريقة جماعية للتعايش مع واقع لم يُحسم بعد، يعود السؤال الأهم: متى يكون النصر نصراً حقيقياً؟
فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعلو الهتافات، ولا بكثرة البيانات، ولا بسرعة الاحتفال، بل بما يتركه بعد أن تهدأ الأصوات ويعود الناس إلى حياتهم اليومية.
هناك فرق بين نصر يُصنع في الخطاب، ونصر يُبنى في الواقع، ملبياً مفهوم الأمة وراعياً لشؤون الرعية.
حين يغيّر الواقع العناوين: النصر حقيقي عندما يغيّر حياة الناس إلى الأفضل؛ عندما يصبح الأمن شعوراً دائماً لا حالة طارئة، والعمل فرصة متاحة لا امتيازاً نادراً، والكرامة حقاً لا شعارات، ويُستعاد استقلال القرار السياسي، وتكف الأيادي الخارجية عن الدولة وقرارها.
حين لا يحتاج إلى تفسير طويل: فيكون النصر واضحاً بذاته، لا يحتاج إلى حملات تفسير أو تبرير أو إعادة صياغة. الناس تتعرف عليه من أثره المباشر منذ اليوم الأول. أما النصر الذي يحتاج إلى خطاب طويل لإقناع الناس بوجوده، فهو غالباً محاولة لتجميل واقع لم يتغير.
حين ينهي دورة الخسارة: النصر ليس مجرد كسب جولة؛ فالكسر دائرة تتكرر. نحن لسنا أمام تأجيل للهزيمة بل تجاوز لها. النصر الحقيقي يفتح أبواب الاستقرار، لا مرحلة الانتظار لصراع آخر.
حين يسمح بالنقد لا يخشاه. حين يربح الإنسان، لا السلطة فقط. حين يصنع المستقبل، لا اجترار الماضي.
وفي النهاية لا تُقاس الأمم بعدد المعارك التي أعلنت فيها النصر، بل بعدد اللحظات التي امتلكت فيها شجاعة الاعتراف بالحقيقة.
فالنصر الوهمي يشبه ضوءاً سريعاً يلمع في السماء ثم يترك خلفه ظلاماً أعمق. يمنح شعوراً بالطمأنينة مؤقتاً، لكنه يسلب القدرة على التعلم والمراجعة.
أما النصر الحقيقي فلا يحتاج إلى ضجيج كبير، لأنه يظهر في حياة الناس قبل أن يظهر في الخطب، وفي المستقبل الذي يُبنى بهدوء قبل كتب التاريخ.
قد تستطيع السياسة أن تعيد تسمية الخسارة، وأن تزين الألم بشعارات الصمود، وأن تؤجل الأسئلة الثقيلة سنوات طوالاً، لكنها لا تستطيع إلغاء الزمن؛ فالزمن وحده يفضح الانتصارات المستعارة، ويكشف الفرق بين من أسقط رأس النظام وبين من هدم نظام كفر. وبين نصر يُقال ونصر يُعاش تقف الحقيقة صامتة تنتظر رخصة الصدق؛ تلك اللحظة التي نعي فيها أن أعظم الانتصارات ليست أن نخرج من الحرب واقفين فقط، بل أن نخرج منها أكثر عدلاً وأكثر وعياً، حاملين قضايا أمتنا على ظهورنا، ونحن أكثر ثقة بالله ونصره.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



