الإثنين، 20 رمضان 1447هـ| 2026/03/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الرابعة عشرة

من اقتصاد الاستدانة إلى اقتصاد الرعاية

رؤية إسلامية للتحرر من قبضة الربا

 

الاقتصاد في الإسلام ليس أرقاماً تُتلى في المؤتمرات، ولا نسب نمو تُعرض في نشرات الأخبار، بل هو نظام رعاية تنبثق أحكامه من العقيدة، وتُدار به شؤون الناس وفق الحلال والحرام. فالدولة في الإسلام ليست شركة تبحث عن توازنات مالية، ولا إدارة تسعى لتحسين تصنيفها الائتماني، بل هي راعٍ مسؤول أمام الله عن رعيته. يُسأل الحاكم: هل أُشبعت الحاجات الأساسية لكل فرد؟ هل وُجد الأمن والكساء والعلاج والتعليم؟ لا يُسأل فقط عن حجم الاحتياطي أو رضا المؤسسات المالية الدولية.

 

السيادة للشرع، والاقتصاد جزء من نظام حكم كامل، لا ملفاً فنياً منفصلاً. المال مال الله، والناس مستخلفون فيه، والدولة وكيل عن الأمة في تطبيق أحكامه، لا مالكاً يتصرف فيه بهواه. ومن هنا جاء التحريم القاطع للربا، لأن الربا ليس مجرد مخالفة أخلاقية، بل هو أساس نظام اقتصادي يولّد الأزمات ويكرّس التبعية.

 

قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ليست مسألة تعبدية مجردة، بل قاعدة فاصلة بين نظامين: نظام يربط المال بالإنتاج الحقيقي، ونظام يجعل المال يلد مالاً دون عمل. البيع يعني سلعة أو خدمة، جهداً يُبذل ومخاطرة يتحملها الطرفان. أما الربا فيضمن الربح لطرف، وينقل المخاطر كلها إلى الطرف الآخر. ومع تراكم عوائد الربا، يتحول الدين إلى أداة استنزاف دائم.

 

الواقع المصري اليوم مثال واضح على منطق الاستدانة الربوية. القروض تُؤخذ لسد عجز، ثم تُؤخذ أخرى لسداد سابقة، فتتراكم خدمة الدين عاماً بعد عام. جزء ضخم من الموازنة يُخصص لسداد الربا وأقساطه قبل أن يُنفق على مصالح الناس. وهنا يظهر الخلل البنيوي: حين تصبح الموازنة رهينة للدائن، يُصبح القرار السياسي نفسه مقيّداً بشروط المقرض.

 

المقرض لا يُعطي بلا مقابل؛ يشترط سياسات بعينها: رفع دعم، زيادة ضرائب، خصخصة أصول، تحرير أسعار. فتتحول الدولة من راعية لشؤون الناس إلى منفّذ لسياسات تُرضي الدائنين. والنتيجة يلمسها الناس مباشرة: غلاء، ضغط ضريبي، تقليص خدمات، وتآكل في القدرة الشرائية. بينما أصل المشكلة، أي اعتماد الربا أداةً لإدارة الاقتصاد يبقى قائماً.

 

في المقابل، يقدم الإسلام نظاماً مالياً مختلفاً جذرياً. موارد الدولة محددة شرعاً: الزكاة، الخراج، العشور، الفيء، والركاز، إضافة إلى عوائد الملكيات العامة. والملكية العامة في الإسلام كالنفط والغاز والمعادن ومصادر الطاقة ليست سلعة تُباع للشركات أو تُخصخص، بل هي ملك للأمة كلها، تتولى الدولة إدارتها وتوزيع عوائدها في رعاية شؤون الناس.

 

لو أُديرت هذه الموارد وفق الأحكام الشرعية، لأمكن الاستغناء عن الضرائب والاقتراض. فالزكاة ليست صدقة تطوعية، بل فريضة تؤخذ من الأغنياء وتُصرف في مصارفها المحددة، ومنها الفقراء والمساكين والغارمون. بهذا يُعاد توزيع الثروة، ويُمنع تكدسها في يد فئة قليلة.

 

كما أن الإسلام يمنع الاحتكار، ويمنع التلاعب بالأسعار، ولا يُقر بحرية التملك والتجارة بل يحكمها بضوابط الشرع. السوق في الإسلام حر من الظلم، لا حر من الأحكام. فلا يُترك الناس فريسة للمضاربات والاحتكارات، ولا تُفرض عليهم ضرائب غير مباشرة تثقل كاهل الفقير قبل الغني.

 

ومن المهم التأكيد أن الحل في هذه الرؤية ليس إصلاحاً جزئياً داخل المنظومة الربوية، بل تغيير جذري في الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد. فلا معنى لمنع الربا نظرياً مع بقاء الدولة تقترض بربا، ولا معنى للحديث عن العدل ورعاية شؤون الناس مع استمرار خصخصة الملكيات العامة. المسألة ليست تحسين إدارة الأزمة، بل إنهاء منطقها من جذوره.

 

وقد جاء في الحديث: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». هذا الحديث يضع معياراً واضحاً: الحكم مسؤولية ورعاية، لا جباية وضغط. فإذا تحولت السياسات إلى عبء دائم على الناس، وجب إعادة النظر في الأساس الذي تُبنى عليه.

 

السؤال الجوهري إذن: هل نريد اقتصاداً يبني الاستقلال، أم اقتصاداً يُكرّس التبعية؟ هل نريد نظاماً يربط المال بالعمل والإنتاج، أم نظاماً يجعل الأجيال القادمة رهينة ديون متراكمة؟ الجواب واضح: لا نهضة بلا تحرر من الربا، ولا استقرار بلا تطبيق شامل لأحكام الإسلام في الحكم والاقتصاد.

 

الانتقال من اقتصاد الاستدانة إلى اقتصاد الرعاية ليس حلماً بعيد المنال، بل مسألة التزام بسيادة الشرع. فحين تكون السيادة للشرع، تُضبط السياسات بأحكام ثابتة، لا بإملاءات المؤسسات الدولية. وحين تُدار الملكيات العامة لصالح الأمة، لا لصالح المستثمرين، تتغير المعادلة.

 

المطلوب ليس السؤال: كيف نقترض أكثر؟ بل: كيف نخرج مع منطق الاقتراض الربوي أصلاً؟ كيف نعيد بناء النظام الاقتصادي على أساس العقيدة، لا على أساس الربا؟ حين يُحسم هذا السؤال، يبدأ الطريق نحو اقتصاد يحقق الرعاية الحقيقية، ويحفظ ثروات الأمة، ويقيم العدل كما أراده الله، لا كما ترسمه معايير الدائنين.

 

إننا بحاجة إلى تطبيق الإسلام شاملا كاملا في دولة خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع