- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة السادسة عشرة
صناعة الوعي أم تزييفه؟ الإعلام بين الرأسمالية ورسالة الأمة
لم يعد الإعلام في واقعنا المعاصر مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل أصبح أداة من أدوات توجيه الرأي العام وصياغة الوعي بما يخدم النظام القائم. في ظل الأنظمة المنبثقة عن الفكر الرأسمالي، يتحول الإعلام غالباً إلى جزء من منظومة الحكم، يبرر سياساتها، ويعيد صياغة أزماتها، ويُكيّف مشاعر الناس تجاهها، بدل أن يكون وسيلة محاسبة وكشف للخلل.
المشكلة ليست انحرافاً مهنياً عابراً، بل نتيجة طبيعية لبنية النظام السياسي نفسه. حين تكون السيادة للقانون الوضعي، ويكون معيار النجاح هو الاستقرار السياسي وفق مقاييس النظام الدولي، يصبح الإعلام أداة لحماية هذا الاستقرار، ولو على حساب الحقيقة الكاملة.
تأمل مثلاً كيف يُعرض الغلاء المتكرر. بدل أن يُطرح السؤال الجوهري: لماذا تُدار الدولة ضمن منظومة اقتصادية ربوية؟ ولماذا تُربط السياسات المالية بإملاءات الدائنين؟ يُعاد توجيه النقاش إلى "أزمات عالمية" أو "ظروف خارجة عن الإرادة". يُحجب أصل الإشكال أي تبني النظام الرأسمالي واقتصاد الدين ويُقدَّم الواقع على أنه قدر لا مفر منه. وهكذا يُنقل الناس من موقع المساءلة إلى موقع التكيّف.
وعندما تُتخذ قرارات تمس حياة الناس مباشرة كرفع الأسعار أو فرض ضرائب أو تقليص خدمات تُوصَف بأنها "إصلاحات ضرورية". كلمة "إصلاح" تحمل إيحاءً إيجابياً، فتخفف من وقع القرار، بينما لا يُفتح نقاش حقيقي حول بديل إسلامي يُحرّم الربا أصلاً، ويمنع فرض ضرائب دائمة مع وجود موارد شرعية قائمة، ويجعل الملكيات العامة ملكاً للأمة لا مجالاً للخصخصة.
الإعلام هنا لا يكذب بالضرورة، لكنه ينتقي الزاوية التي لا تمسّ أصل النظام. قد يُستضاف خبير يشرح "سلاسل الإمداد" و"التقلبات العالمية"، لكن لا يُطرح سؤال: لماذا تُدار الثروات العامة خارج إطار أحكام الشرع؟ ولماذا يُستبعد النظام الاقتصادي الإسلامي من النقاش أصلاً؟ غياب هذا السؤال ليس تفصيلاً، بل هو تغييب لمرجعية كاملة.
وفي الشأن السياسي، قد يُقدَّم التنازل بأنه براغماتية، أو يُوصَف الصمت في قضايا تمس سيادة الأمة بأنه تعقّل. في المقابل، يُصوَّر الصوت الناقد على أنه تهديد للاستقرار. ومع تكرار هذا الخطاب، يتكوّن وعي عام يتردد في مساءلة السياسات، خشية أن يُوصم بالخروج عن الصف.
هذا النمط من صناعة الوعي يخدم بقاء النظام أكثر مما يخدم الأمة. بينما في دولة الإسلام، الإعلام ليس تابعاً لسلطة تُخفي الخلل، بل هو جزء من بيئة المحاسبة. لأن المحاسبة في الإسلام فرض، وليست خياراً سياسياً. قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». هذا الحديث يحدد وظيفة الكلمة: كشف الظلم، لا تجميله.
القرآن شدد على خطورة الكلمة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فمزج الحق بالباطل، أو عرض نصف الحقيقة وإخفاء نصفها الآخر، صورة من صور الإلباس. حين يُعرض الإنجاز المحدود على أنه نجاح شامل، ويُهمَل الحديث عن الإخفاق البنيوي، تتشكل صورة ذهنية بعيدة عن الواقع.
الإعلام في ظل نظام الإسلام المنبثق عن العقيدة لا يكون بوقاً للسلطة، لأن السلطة نفسها مقيدة بالشرع. السيادة للشرع، لا للحاكم. والحاكم يُحاسَب إن خالف. لذلك لا يكون كشف الخطأ تهديداً للدولة، بل حفاظاً عليها من الانحراف. أما في الأنظمة الوضعية، فالمحاسبة قد تُفهم على أنها إضعاف للنظام، لأن النظام ذاته غير مستند إلى مرجعية معصومة.
رمضان يذكّرنا بمعنى الصدق الشامل. الصائم لا يترك الطعام فقط، بل يُؤمر بترك قول الزور. قال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». الربط واضح: العبادة لا تنفصل عن الكلمة، والكلمة لا تنفصل عن المسؤولية.
لذلك فإن الوعي الإعلامي ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة شرعية. أن يسأل الناس: ما المرجعية التي ينطلق منها الخطاب؟ ما الذي يُغيّب؟ لماذا يُستبعد الحل الإسلامي من التداول؟ من يملك المنابر؟ ولصالح أي تصور تُدار الرسالة؟
ليس المقصود نشر الشك المطلق، بل بناء وعي سياسي منضبط بالعقيدة؛ وعي يدرك أن المشكلة ليست في خبر هنا أو تقرير هناك، بل في إطار فكري كامل يُعيد تشكيل المفاهيم وفق الرؤية الرأسمالية، ويُقصي الرؤية الإسلامية عن موقع القيادة.
في النهاية، الكلمة أمانة، والإعلام إما أن يكون أداة تزييف تخدم استمرار النظم الوضعية، أو منبر صدق يسهم في إيجاد رأي عام واعٍ على أساس الإسلام. والأمة التي تستعيد وعيها على هذا الأساس، وتُخضع خطابها لميزان الشرع، تكون أقرب إلى استئناف حياتها الإسلامية بإقامة دولة تطبق أحكام ربها كاملة، لا مجتزأة ولا مؤجلة؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



