الأربعاء، 22 رمضان 1447هـ| 2026/03/11م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السابعة عشرة

فتح مكة لحظة الحسم التي ثبّتت سلطان الإسلام

 

لم يكن فتح مكة مشهداً عاطفياً لانتصار بعد معاناة، ولا صفحةً ختامية في صراع طويل مع قريش، بل كان لحظةً مفصلية تجلّى فيها معنى السلطان الحقيقي، سلطان العقيدة حين يتحول إلى حكم، وحكم الشرع حين يُطبَّق بقوةٍ منضبطة. لقد دخل رسول الله ﷺ مكة على رأس عشرة آلاف من الصحابة، بعد سنوات من الإيذاء والحصار والحروب، لكنه لم يدخلها بوصفه منتقماً، بل بوصفه صاحب سلطان يُعيد الأمور إلى نصابها الشرعي.

 

إن فهم فتح مكة لا يكتمل إذا حُصر في "العفو العام" أو "إدارة المشاعر"، بل يجب أن يُقرأ في سياق مشروع الدولة الذي أُقيم في المدينة، ثم تمدّد ليزيل العائق الأكبر أمام اكتماله في جزيرة العرب. فقريش لم تكن مجرد قبيلة معادية، بل كانت رأس الحربة في مقاومة قيام كيان سياسي يحكم بالإسلام. ومن هنا كان فتح مكة إنهاءً لحالة الصراع على الشرعية في الجزيرة، وتثبيتاً لمرجعية واحدة هي مرجعية الوحي.

 

حين دخل النبي ﷺ مكة، أعلن: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن». هذا الإعلان لم يكن تنازلاً سياسياً، بل تنظيماً للحظة الانتقال من حال الحرب إلى حال استقرار السلطان. فالأصل في الدولة الإسلامية أنها ترعى شؤون الناس بالأمن والعدل، ولا تجعل القوة أداة فوضى. لكن في الوقت ذاته، لم يُترك الأمر دون حسم؛ فقد أُزيلت الأصنام من حول الكعبة، وأُعلنت كلمة التوحيد، وسقط النظام الجاهلي سقوطاً كاملاً، لا شراكة فيه ولا مساومة.

 

هنا تتضح قاعدة مركزية وهي أن الإسلام لا يقبل الازدواجية في السيادة، لا يبقى مع سلطان الإسلام سلطان آخر ينازعه؛ ولذلك كان تحطيم الأصنام إعلاناً عملياً بأن مصدر التشريع والحكم هو الله وحده، وأن زمن الأعراف الجاهلية التي تُشرّع من دون الله قد انتهى. فالمسألة لم تكن رمزية، بل سياسية تشريعية بامتياز.

 

العفو الذي حصل لم يكن عفواً يُبقي الباطل قائماً، بل عفواً بعد زوال نظامه. فالذين عفا عنهم النبي ﷺ زال نظامهم واندرس دينهم وانتهى حكمهم، ودخلوا في نظام الإسلام، وخضعوا لأحكامه، وصاروا جزءاً من رعيته. وهذا فارق جوهري بين العفو الذي يُبقي النفوذ الجاهلي مؤثراً، وبين العفو الذي يأتي بعد حسمٍ يُنهي الأنظمة السابقة من جذورها.

 

ومن زاوية أخرى، يُظهر فتح مكة أن الدولة في الإسلام ليست مجرد سلطة أخلاقية تدعو إلى الخير، بل كيان يملك القوة التنفيذية لتغيير الواقع. فلو بقيت مكة مركزاً للجاهلية، لبقي الصراع مفتوحاً، ولظل الكيان الإسلامي مهدداً في خاصرته العقدية والسياسية. ولذلك كان الفتح تثبيتاً لوحدة الجزيرة تحت سلطان واحد، تمهيداً لانطلاق الدعوة خارجها.

 

إذا نظرنا إلى واقع الأمة اليوم، نجد أن أخطر أزماتها ليست في ضعف الموارد أو قلة العدد، بل في غياب السلطان الجامع الذي يوحد المرجعية ويثبت سيادة الشرع ويزيل التنازع على أساس الحكم. تعدد الكيانات، وتباين القوانين، وارتهان الأنظمة لإرادات خارجية، كلها تجعل الأمة في حال شبيه بما قبل فتح مكة: صراع على الشرعية، وتوزع في مصادر القرار.

 

فتح مكة يعلّم أن الحسم لا يعني الفوضى، وأن الرحمة لا تعني إبقاء الباطل شريكاً في الحكم. بل يعني إزالة الأنظمة المخالفة للإسلام، ثم رعاية الناس ضمن نظام واحد عادل. لقد دخل أهل مكة في الإسلام أفواجاً بعد أن رأوا سلطاناً مستقراً، لا انتقاماً عابراً.

 

كما يكشف الفتح أهمية القيادة المبدئية التي لا تتغير أهدافها بتغير الظروف. فالنبي ﷺ، الذي أُخرج من مكة مطارداً، عاد إليها قائداً، لكن هدفه لم يتبدل: إقامة الإسلام في واقع الحياة. لم يسعَ إلى مكاسب شخصية، ولم يحوّل لحظة التمكين إلى تصفية حسابات، بل إلى تثبيت حكم الشرع وإدخال الناس في نظامه.

 

إن الدرس الأعمق أن التمكين في الإسلام ليس مجرد انتصار عسكري، بل انتقال شامل للسيادة من نظام إلى نظام. فإذا لم تُحسم مسألة السيادة، بقي الصراع كامناً ولو بدا الظاهر هادئاً. أما إذا استقر سلطان الشرع، وتوحدت الكلمة على أساسه، فإن مرحلة جديدة من القوة تنفتح، كما حدث بعد الفتح حين بدأت الوفود تتقاطر، وتهيأت الأمة لحمل الدعوة خارج حدود الجزيرة.

 

وهكذا يبقى فتح مكة شاهداً على أن القوة في الإسلام ليست غاية، بل وسيلة لإقامة الحكم بما أنزل الله، وأن العفو الحقيقي هو الذي يأتي بعد حسمٍ يزيل الجاهلية من جذورها، ويثبت سلطان العقيدة في واقع الحياة. في تلك اللحظة لم تُفتح مدينة فحسب، بل فتحت القلوب واستقر سلطان الشرع، وبدأ طور جديد من حمل الرسالة إلى العالم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع