الثلاثاء، 28 رمضان 1447هـ| 2026/03/17م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رؤية نظام سياسي ناجح

 

(مترجم)

 

يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

 

الحمد لله على نعمة القرآن، الحمد لله على نعمة الإيمان، الحمد لله على نعمة الإسلام!

 

إنّ رحمة ربنا واسعةٌ عظيمة، فهو يُنعمُ علينا برمضان مراراً وتكراراً. ورغم أنّ معظم الناس قد لا يدركون هذه الرحمة، فإنّ الله رب العالمين، يُرسل بركة رمضان مراراً وتكراراً إلى البشرية جمعاء. ولا شكّ أن بقية البشر لن يفهموا هذه البركة ما لم يفهمها المسلمون أنفسهم. إنها بركةٌ تُبدّدُ ظلام الجهل، وتُبشّر بنور الإسلام، وهو منهجٌ يُرشدُ البشرية جمعاء إلى النجاح. إنها رسالةٌ لنيل أعلى مراتب النجاح في الدنيا والآخرة.

 

لا يمكن لأي أمة أن تنجح دون دولة. ومع ذلك، فإنّ نجاح الدولة يعتمد على ذلك، سواءٌ أكانت لديها رؤية سياسية ناجحة أم لا. فما هو نجاح الدولة؟

 

منذ فجر التاريخ، لم يكن بإمكان البشرية البقاء إلا بوجود نظامٍ وحكمٍ لها. ولا تزال آثار تلك الأمم التي امتلكت نظاماً ماثلةً حتى اليوم. على سبيل المثال؛ هل تتذكر قانون أور نامو للسّومريين، الذين عاشوا حوالي عام 2100 قبل الميلاد؟ أو نجد قانون حمورابي، الذي كان موجوداً حوالي عام 1760 قبل الميلاد؟ أو نعرف عن الإمبراطورية المغولية، التي بلغت ذروتها تحت قيادة قوانين ياسا لجنكيز خان في القرن الثاني عشر؟ وغيرها الكثير.

 

 كل هذه الأدلة تُثبت أنّ كل أمة بحاجة إلى قوانين وأنظمة، أي نظام حكم؛ وأنها بحاجة إلى عقوبات في حال انتهاك هذه القوانين؛ وأنها بحاجة إلى سلطة تحكم وفقاً لهذه القوانين والأنظمة؛ والأهم من ذلك، أن كل أمة تخضع لسلطة ما... باختصار، كل أمة طلبت، ولا تزال تطلب، قائداً يرشدها. على مرّ العصور، اتبعت كل أمة قائداً. كل أمة بحاجة إلى إرادة سياسية تقودها، وتنظمُ شؤونها، وتتحملُ مسؤوليتها، وتصدُّ الأخطار والأضرار، وترفعها من نمط حياة بدائي، وتقودها إلى الهيمنة على العالم بطريقة مستنيرة وتقدمية. هذا هو في الواقع تعريف السياسة!

 

مع ذلك، لطالما كانت المشكلة الأكبر هي السؤال والتحدي حول مكان وجود هذه الأنظمة، ومن الذي يجب أن يضعها. كما أثبت التاريخ أنّ الأنظمة السيئة أدت إلى انحدار الأمم، وقادتها عاجلاً أم آجلاً إلى تراجعها، بل وحتى إلى خرابها. بينما النظام السليم الذي يقدمه عقل سليم لا يقود أمته إلى السلام فحسب، بل يقود جميع الأمم التي تتواصل معها، والبشرية جمعاء.

 

يقود الأمة وكل فرد فيها إلى تنمية سليمة؛ أي أنه لا يضمن التنمية المادية فحسب، بل تنمية تجعل تلك الأمة نموذجاً يُحتذى، ملهماً، وجديراً بالاقتداء به في المجالات الأخلاقية والثقافية والعلمية وغيرها.

 

يتناغم مع الطبيعة البشرية؛ لأنه، كخطوة أولى، يُعرّف الإنسان واحتياجاته تعريفاً صحيحاً. ولذلك، فهو يتجاوز كل الاختلافات المتعلقة بالعرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو الجنس أو غيرها، ويلبي احتياجات كل إنسان على قدم المساواة، وبنفس المعايير، وبنفس القدر من الأهمية، وهو عادل، يحمي ويدعم كل إنسان.

 

اليوم، يعاني الناس في جميع أنحاء العالم، بمن فيهم سكان الدول الأوروبية والأمريكية التي يُفترض أنها متقدمة، معاناةً تشبه تلك التي يعانيها سكان الدول التي تُمنع قسراً من التنمية عبر الاستعمار والغزو والحروب التي تشنها الدول الغربية. فهم أيضاً عاجزون عن حماية أطفالهم من أي خطر، بل إنهم فقدوا الأمل في مستقبلهم، لدرجة أنهم لا ينجبون. والسبب في ذلك هو أنّ أنظمتهم الحاكمة قد خدرتهم بمادة تُسمى "الحرية" لتسلبهم ليس فقط ثرواتهم المادية، بل جميع قيمهم الإنسانية والأخلاقية والدينية. حتى إنّ أجساد الأطفال الأبرياء أصبحت أداةً لإشباع رغبات شيطانية منحرفة لقلة من ذوي النفوذ. نرى أنه حتى أولئك الذين يعانون من ويلات الحروب والغزوات يبذلون جهداً أكبر بكثير، ويبذلون طاقة حيوية أكبر للبقاء على قيد الحياة والحفاظ على وجودهم رغم كل أشكال القمع، مقارنةً بغيرهم. على وجه الخصوص، يعاني عدد لا يحصى من المسلمين المضّطهدين في المناطق الإسلامية، كغزة والسودان وتركستان الشرقية وميانمار وكشمير، رغم ما يتعرّضون له من اضّطهاد مروّع، يعانون من خوف أو اكتئاب أقل من أولئك الذين يعيشون في ظلّ ما يُسمى بالحرية والسلام. في الواقع، يعود تزايد عدد الأشخاص الذين يفضلون الموت على الحياة (الانتحار) في الدول الحرّة والمتقدمة، والذين يتمتعون بكافة الفرص الاقتصادية، يعود ذلك إلى الأنظمة العالمية المهيمنة العاجزة عن حلّ مشاكل الإنسان، بل والرّافضة لذلك.

 

وقد أثبت التاريخ أنّ النظام الوحيد الذي ضمن التنمية والازدهار للبشر والمجتمعات، والذي نجح في غرس الأخلاق والثّقة والسّلام في العلاقات المجتمعية، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والذي نجح في إرساء عدالة شاملة لا تميّز بين أحد في تطبيق القوانين، والذي نجح في حماية من هم تحت حمايته رغم كل الظروف المعاكسة من جميع أنواع التهديدات، هو نظام الإسلام. هكذا استطاع المجتمع الإسلامي أن يخلق للبشرية، في التاريخ، بيئة فريدة ونقية ومنعشة. لقد تحقّق ذلك من خلال الرؤية الناجحة الحقيقية التي تُعدّ مفتاحاً لنظام سياسي سليم.

 

لم يتقدم أولئك الذين تبنّوا هذه الرؤية السّياسية بالمال، أو باستغلال موارد الأرض، أو بالاختراعات والاكتشافات الصناعية. بل على العكس، فقد نجحوا رغم معاناتهم من فقر مدقع، حتى إنهم اضّطروا إلى ربط الحجارة على بطونهم من الجوع. لأن التنمية والتقدم الحقيقي لا يتحقق إلا بالأفكار لا بالثروة المادية. وفي نهاية المطاف، أكسبتهم أفكارهم المنبثقة من الرؤية السليمة للنجاح ثروة مادية، وإنجازات علمية وصناعية، واكتشافات فتحت آفاقاً جديدة للبشرية، وقوة عسكرية.

 

لكن عندما بدأوا ينأون بأنفسهم عن هذه الأفكار، دخلوا في انحدار لا هوادة فيه، حتى أصبحوا عاجزين عن حماية ثروتهم الفكرية في نهاية المطاف. لذلك - كما أنّ اثنين في اثنين يساوي أربعة - ستستعيد الأمة الإسلامية نجاحها السياسي حالما تستعيد هذه الثروة الفكرية.

 

فكيف ستستعيد الأمة الإسلامية هذه الثروة الفكرية؟

 

أولاً؛ يجب على الأمة الإسلامية أن تتخلص من التفسير الاستشراقي للإسلام الذي فرضه الكفار المستعمرون، وأن تُقرّ بالإسلام باعتباره رسالة الخلاص والنجاح التي أرسلها الله سبحانه وتعالى. ذلك لأنّ عقيدة "لا إله إلاّ الله محمد رسول الله" تنصُّ على رفض أي فكرة أو شكل من أشكال التفكير من خارج الإسلام رفضاً قاطعاً لا لبس فيه، وخلافاً للنصرانية، لا ينبغي اختزال هذا العهد إلى مجرد تعريف محدود لله بأنه خالق، بل الإقرار بأنه المالك والملك والحاكم الحقيقي لكل شيء.

 

فاللهُ سبحانه وتعالى، بصفته مالكاً وملكاً وحاكماً لكل شيء، أنزل الإسلام منهجاً كاملاً وشاملاً للحياة. في الواقع، هذا هو الشّرط الأساسي. لأنّ الاعتقاد بأنّ الله قد وضع بعض الشعائر والطقوس فقط، تاركاً الدّنيا لإرادة البشر ورغباتهم، هو اتّهام لله بالظلم - حاشاه، وبالتالي تشويه صارخ لسمعته. بل على العكس؛ لقد أوضح ربنا جلياً أنه سبحانه وتعالى قد أرسل نظام حياة كاملاً للبشرية جمعاء: ﴿اَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾.

 

لذلك، فإن الإسلام هو الفكر السليم الوحيد الذي يُنقذ المسلمين من الظّلم، ويمنحهم جوهر التقدم ومفتاحه. فعندما يتحرّر المسلمون ويتقدمون، سيُنقذ كل إنسان ويُهدى إلى التقدم. تُوفّر هذه العقيدة القوة الروحية التي تغرس في المسلم الذي يعتنقها أسمى الفضائل الأخلاقية (كالاستقامة والصدق والأمانة) وأرقى الصفات الإنسانية (كالشجاعة والبطولة والكرم) التي يفخر بها المرء ويُثنى عليها؛ والقوة المادية، من خلال نظامها الاقتصادي، لتلبية الاحتياجات الجسدية والمادية للفرد وأسرته وجاره والمجتمع بأسره والبشرية جمعاء بعدل وإنصاف؛ والقوة الروحية الداخلية التي تُكوّن ضميراً واعياً بعلاقة المرء بالله. أليست القوة المادية والأخلاقية والروحية هي المعيار الذي تبحث عنه البشرية اليوم في رؤية سياسية ناجحة؟! إذن، هذه هي الرؤية السياسية الناجحة التي تُحقق كل هذه المعايير مئة بالمئة: الإسلام!

 

يعرف كل مسلم هذه الآية الكريمة من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّٰى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم﴾، هناك جانبان يجب فهمهما في هذه الآية: أولهما، أنه ما دامت أمةٌ ما لم تتخلَّ عن مصدر أخلاقها الحميدة، فلن يسلب الله بركاته عنها - بل كان هذا هو سبب غضب الله على جميع الشعوب والأمم التي سبقتنا. ففي اللحظة التي تخلوا فيها عن أحكام الله وشرائعه، واتخذوا قوانين وأنظمة وقيماً من أهوائهم، قادهم الله إلى الهلاك والدمار، كما هو موضح في بقية الآية ١١ من سورة الرعد، ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. ويؤيد هذا المعنى آية أخرى من القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمٰى﴾.

 

الطريقة الثانية لكيفية فهم هذه الآية هي استئناف النظام الإلزامي الذي فرضه الله - وهو نظام الله السياسي الذي يجعل النفس جوهر الأمة المسلمة - واستعادة النجاح في الدنيا والآخرة. إن الله سبحانه وتعالى هو الرحمن الرحيم، فهو لا يتخلى عمن رجع إليه، ولا يجعله من الخاسرين. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْـئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 

وفي ضوء كل هذا نرى أنّ الأمة الإسلامية في حاجة إلى توجيه عمل سياسي عقائدي، يقوم على عقيدة الإسلام، ولا يقوم بأدنى عمل خارج ما أوجبه الكتاب والسنة، وليس له أي أهداف أخرى غير ما حدّده الإسلام - وذلك المرشد ما هو إلا حزب سياسي إسلامي. وهذا في الوقت نفسه هو أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ولذلك يجبُ على المسلمين ألا يفهموا رسالة الإسلام على أنها مجرد رسالة روحية، بل هي رسالة سياسية تهدف إلى إنقاذ البشرية وتقدمها، وفي الوقت نفسه دعوة البشرية إلى هذه الرسالة الناجحة. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

 

لعلنا نستطيعُ تلخيص كل ما سبق على النحو التالي: لقد أثبتت جميع الأنظمة السياسية المطبقة اليوم فشلها. فقد تبين أنها جرّت البشرية إلى سراب في قلب صحراء قاحلة. النظام الوحيد القادر بلا شك، والذي يمتلك رؤية صحيحة وسليمة ومستدامة للنجاح، هو الإسلام، وبالتالي المسلمون المتقون، المخلصون، المحسنون. كل ما عليهم فعله هو توحيد الجهود لإعادة بناء الحياة والنظام المنبثقين من العقيدة الإسلامية كما أمر الله سبحانه وتعالى وبيّن رسوله ﷺ. إنّ الشكل المادي لهذا النظام هو الشكل الذي وعد به الله سبحانه وتعالى، وبشّر به رسوله ﷺ؛ الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير                    #TrueVision4Change

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع