الأربعاء، 29 رمضان 1447هـ| 2026/03/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الخامسة والعشرون

فتح بيت المقدس... سيادة الشرع وحفظ المدينة بأحكام الإسلام

 

لم يكن فتح بيت المقدس في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثاً عسكرياً عابراً، ولا مجرد انتقال سلطة من يد إلى يد، بل كان تجسيداً عملياً لطبيعة الدولة في الإسلام: دولة تقوم على العقيدة، وتجعل السيادة للشرع، وتُخضع القوة لأحكام الله لا لأهواء المنتصرين.

 

حين تسلّم عمر رضي الله عنه مفاتيح المدينة، لم يدخلها دخول المتعالي المنتشي بالقوة، بل دخلها بوصفه خليفةً مسؤولاً عن إقامة أحكام الإسلام في أرضٍ فُتحت عنوةً بعد صراع طويل بين الإمبراطوريات. الفارق الجوهري هنا أن الفتح في الإسلام ليس توسعاً استعمارياً، ولا فرضاً لهيمنة قومية، بل إدخال أرضٍ تحت سلطان الإسلام، لتُدار بأحكامه ويُصان فيها دم الناس وأموالهم وأعراضهم.

 

أول ما يلفت النظر أن الفتح كان تثبيتا لسلطان الدولة الإسلامية بوصفها كياناً سياسياً يحمل رسالة. كتب عمر رضي الله عنه عهد الأمان لأهل إيلياء، فحفظ لهم كنائسهم وأموالهم وأنفسهم، ولم يُكرههم على تغيير دينهم. هذا السلوك لم يكن مجاملة سياسية، بل تطبيقاً لحكم شرعي في أهل الذمة، يحدد حقوقهم وواجباتهم ضمن كيان الدولة.

 

إن الدولة في الإسلام لا تُعرّف نفسها من خلال العِرق أو الأرض، بل من خلال العقيدة والنظام المنبثق عنها. لذلك لم يتحول الفتح إلى إحلال سكاني، ولا إلى إبادة ثقافية، بل إلى نقل السيادة من حكم بيزنطي إلى حكم إسلامي، مع بقاء الناس في حياتهم اليومية تحت حماية الشرع. هذه الرؤية تُظهر الفرق بين دولة تحمل الإسلام كمبدأ، ودولة مصلحية تبحث عن النفوذ.

 

ومن أهم الدروس في هذا الفتح أن القوة العسكرية في الإسلام وسيلة لإقامة حكم الله، لا غاية قائمة بذاتها. الجيوش خرجت بأمر الخليفة، وتحت راية واحدة، وبقيت منضبطة بحدود الشرع. لم يُترك الأمر لقادة يتصرفون بحسب أهوائهم، بل كانت القيادة السياسية ممثلة بالخليفة هي التي ترسم التوجه العام، وتضبط مسار الفتح. وهنا يتجلى أن الجهاد في الإسلام ليس حركة عسكرية منفصلة عن الدولة، بل عمل سياسي منظم، مرتبط بكيان جامع هو الخلافة.

 

وعند النظر إلى واقع القدس اليوم، يظهر بوضوح أثر غياب الكيان الجامع الذي يحمل قضية الأمة بوصفها قضية واحدة. المدينة المقدسة تحولت إلى ملف تفاوضي بين أنظمة متفرقة، كل منها ينظر إلى القضية من زاوية قطرية ضيقة. بينما فتحها في عهد عمر كان نتيجة مباشرة لوحدة سياسية قائمة، وجيش موحد، وقيادة واحدة تتصرف بوصفها مسؤولة عن جميع المسلمين، فالقدس فتحها خليفة وحررها صلاح الدين في ظل الخلافة، وحماها وحافظ عليها ورفض بيعها خليفة، ولم يغتصبها يهود إلا بعد هدم الخلافة.

 

الفرق بين الحالين ليس في شجاعة الأفراد، بل في وجود الدولة الجامعة من عدمها. يوم فُتحت القدس، كانت الشام والعراق ومصر وسائر الجزيرة تحت سلطان واحد، تُدار من مركز سياسي واحد، ويُحكم بينها بحكم واحد. أما اليوم، فالتجزئة السياسية جعلت القدس محاصرة بين حسابات إقليمية ودولية، في ظل غياب سلطان يجمع الأمة ويوجه طاقتها.

 

كما أن عهد عمر لأهل القدس يبين أن الدولة الإسلامية لا تُدار بردود الفعل، بل بأحكام منضبطة. فلم يكن الفتح اندفاعاً عاطفياً، بل خطوة ضمن سياسة خارجية واضحة، تهدف إلى إزالة سلطان الإمبراطوريات وإدخال الشعوب في نظام يحكم بالشرع. وهذا يرسخ أن السياسة في الإسلام ليست براغماتية متقلبة، بل منضبطة بالأحكام الشرعية في السلم والحرب، وفي المعاهدات والفتوحات.

 

إن فتح بيت المقدس يقدم نموذجاً لدولة تملك مشروعاً حضارياً متكاملاً: عقيدة تُحدد وجهتها، وأحكاماً تُنظم شؤونها، وسلطاناً يُنفذ تلك الأحكام. لذلك استقرت المدينة قروناً تحت الحكم الإسلامي، ولم تُعرف فيها المجازر التي رافقت احتلالات أخرى عبر التاريخ.

 

الدرس العميق أن تحرير الأرض في الإسلام مرتبط بإقامة الكيان السياسي الذي يطبق الإسلام. فلا يكفي الاندفاع العاطفي، ولا الخطاب المجرد، بل لا بد من دولة تحمل القضية وتحشد لها الطاقات وتتحرك بها وفق أحكام الإسلام. يوم وُجدت تلك الدولة، فُتحت القدس وصينت. ويوم غابت، ضاعت تحت سلطان قوى متنازعة.

 

وهكذا يبقى فتح بيت المقدس شاهداً على أن الأمة حين تكون موحدة تحت إمام واحد، وتجعل السيادة للشرع، وتضبط قوتها بأحكام الإسلام، تستطيع أن تغيّر موازين القوى وتحفظ المدن والإنسان معاً. أما إذا تفرقت، وتعددت قياداتها، وتباينت ولاءاتها، فإن أعظم مقدساتها تبقى رهينة ميزان دولي لا يرحم.

 

القدس لم تُفتح يوماً بخطاب، بل بدولة. ولم تُصنَ بهتاف، بل بسيادة للشرع وسلطانٍ يجمع الأمة على كلمة واحدة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع