- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
علماء الأمة طليعة الصراع لإعادة السيادة للشرع
وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة
لم يكن الصراع في تاريخ المسلمين مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل كان في جوهره صراعاً على السيادة: أهي للشرع أم للهوى؟ أهي للوحي أم للأنظمة الوضعية؟ ومن هنا كان دور العلماء في الإسلام دوراً محورياً، ليس بوصفهم وعّاظاً يُذكّرون بالأخلاق الفردية فحسب، بل بوصفهم حملة دعوة، يبيّنون الحكم الشرعي في واقع الحياة، ويحاسبون الحاكم على أساس الإسلام، ويقفون سدّاً منيعاً أمام أي انحراف عن تطبيقه.
إن الإسلام عقيدة ونظام، ودين هو أساس الدولة، ومجرد حصره في دائرة الشعائر يُعدّ مسخاً لحقيقته. فالله سبحانه أنزل القرآن ليحكم به بين الناس، وجعل الحكم به فرضاً، كما جعل الصلاة والزكاة فرضاً. ومن هنا فإن وظيفة العالم ليست محصورة في الفتوى الفردية، بل تتعداها إلى بيان الأحكام المتعلقة بالحكم والاقتصاد والسياسة الخارجية، وكشف مخالفة الحكام إن وقعوا في تعطيل الشرع أو استبداله.
عندما اجتاح التتار ديار المسلمين، لم تكن المشكلة عسكرية بحتة، بل كانت سياسية وفكرية؛ إذ أعلنوا إسلامهم في بعض المراحل، لكنهم حكموا بقوانينهم المعروفة بالياسق، فجمعوا بين الانتساب الشكلي إلى الإسلام والتحاكم إلى غيره. في هذا السياق برز موقف العز بن عبد السلام الذي جسّد معنى العالم العامل؛ فلم يساير السلطان حين خالف الشرع، ولم يكتفِ بالوعظ العام، بل أعلن بوضوح أن الطاعة إنما تكون في المعروف، وأن الحاكم إذا انحرف عن أحكام الإسلام وجب تقويمه ومحاسبته.
وكذلك كان موقف ابن تيمية حين واجه التتار، فقرّر أن دعوى الإسلام لا تغني شيئاً إذا لم تترجم إلى تحكيم كامل للشرع. لقد بيّن أن الحكم بما أنزل الله ليس خياراً سياسياً، بل فريضة شرعية، وأن تعطيله يغيّر طبيعة الكيان السياسي من دولة إسلامية إلى كيان يحكم بغير الإسلام، ولو رفع بعض الشعارات الدينية. كان موقفه منطلقاً من فهم عميق لمفهوم السيادة في الإسلام، حيث السيادة للشرع لا للشعب ولا للحاكم، والسلطان للأمة تنيب عنها خليفة يطبق أحكام الله.
إن هؤلاء العلماء لم يكونوا رجال دين بالمعنى الكنسي، ولم ينفصلوا عن الشأن العام، بل كانوا جزءاً من الأمة، يمارسون واجب المحاسبة بوصفه فرضاً كفائياً إذا قام به البعض سقط عن الباقين. فالحاكم في الإسلام ليس مصدر التشريع، ولا يملك حق سنّ القوانين من عنده، بل هو ملتزم بتبني الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية. فإذا تبنى ما يخالف الشرع، أو عطّل حكماً من أحكامه، وجب على الأمة وفي طليعتها العلماء أن تحاسبه وتطالبه بالرجوع إلى حكم الله.
أما الواقع المعاصر فيكشف انحرافاً خطيراً في موقف العلماء. فقد أقامت الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين مؤسسات دينية رسمية، أُخضعت لإرادة السلطة السياسية، فصار كثير من المفتين موظفين، وحدود خطابهم مرسومة بسقف النظام. وغُيِّب الحديث عن وجوب تحكيم الإسلام في الحكم، واستُبدل به خطاب أخلاقي عام لا يمسّ أصل المشكلة، وهي غياب تطبيق الإسلام وقيام أنظمة على أسس وضعية من نظام الغرب الرأسمالي.
إن أخطر ما في هذا الواقع هو محاولة تكريس فصل الدين عن الحياة، بحيث يُسمح للعلماء بالكلام في العبادات والأخلاق، ويُمنعون من الخوض في قضايا الحكم والسياسة والسيادة والعلاقات الدولية. وهذا في حقيقته إقرار ضمني بعلمانية الحياة السياسية، ولو لم يُصرّح بهذا المصطلح. بينما الإسلام يرفض هذا الفصل من أساسه، ويجعل السياسة هي رعاية الشؤون بالأحكام الشرعية.
من هنا، فإن الواجب على العلماء الصادقين أن يستعيدوا دورهم الطبيعي في قيادة الأمة فكرياً، لا بالتبعية للحكام، بل بالارتباط بالأمة وقضاياها المصيرية. عليهم أن يبيّنوا أن الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله أنظمة مخالفة للإسلام في أصل بنائها، وأن الواجب هو العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تجعل السيادة للشرع، وتوحد المسلمين تحت إمام واحد، وتستأنف الحياة الإسلامية في الحكم والاقتصاد والاجتماع.
إن إقامة الخلافة ليست شعاراً عاطفياً، بل حكم شرعي ثابت بإجماع الصحابة، حين بادروا بعد وفاة الرسول ﷺ إلى نصب خليفة قبل دفنه، إدراكاً منهم أن وجود الإمام الذي يقيم الدين وينفذ الأحكام ضرورة لا يجوز تعطيلها. وهذا الفهم ينبغي أن يكون حاضراً في خطاب العلماء، بوصفه حكما شرعيا، لا موضوعاً قابلاً للمساومة.
كما أن دور العلماء لا يقتصر على البيان النظري، بل يشمل المساهمة في إيجاد الوعي العام على ضرورة التغيير الجذري، وفضح المفاهيم المغلوطة التي تُسوِّق لفكرة الدولة الوطنية القُطرية باعتبارها مسألة حتمية. إن الحدود التي رسمها الاستعمار، وما تبعها من كيانات سياسية مجزأة، ليست من الإسلام في شيء، بل هي واقع فُرض بالقوة، واستمر عبر أنظمة تحمي مصالح الغرب.
إن إعادة الوعي بمفهوم الأمة الواحدة، وبأن المسلمين جسد واحد، وبأن الأصل هو وجود إمام واحد تُعقد له البيعة على كتاب الله وسنة رسوله، هو من صميم وظيفة العلماء. فالتغيير في الإسلام يبدأ بالفكرة، ويقوم على الصراع الفكري والكفاح السياسي، لا على المساومات ولا على المشاركة في أنظمة تُشرعن الحكم بغير ما أنزل الله.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمة إذا فقدت بوصلتها الفكرية ضاعت سياسياً، وأن العلماء إذا غاب صوتهم أو خضعوا للسلطان، تجرأت الأنظمة على الدين، وتمادى الحكام في تعطيل أحكامه. أما إذا صدع العلماء بالحق، وربطوا الناس بأحكام الإسلام في الحكم كما في الصلاة، فإنهم يصنعون وعياً يقود إلى التغيير الحقيقي.
إن المرحلة التي تعيشها الأمة اليوم تفرض على العلماء أن يكونوا في طليعة العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، لا أن يكتفوا بتخفيف آثار الانحراف. فالمطلوب ليس إصلاحاً جزئياً داخل منظومة فاسدة، بل تغيير جذري يعيد بناء الكيان السياسي على أساس العقيدة الإسلامية، ويقيم دولة تطبق الإسلام كاملا غير منقوص، وتحمل الدعوة إلى العالم بالدعوة والجهاد.
إن علماء الأمة أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما أن يكونوا ورثة الأنبياء حقاً، يبلّغون رسالة الإسلام كاملة غير مجتزأة، ويقودون الأمة نحو وحدتها في ظل الخلافة، وإما أن يُكتب عليهم أنهم شهدوا مرحلة من أخطر مراحل التحول ولم يؤدوا فيها واجب البيان والمحاسبة. وإن الأمة التي أنجبت أمثال العز بن عبد السلام وابن تيمية، قادرة بإذن الله أن تنجب علماء ينهضون بواجبهم، فيعيدون للعلم مكانته، وللشرع سيادته، وللأمة وحدتها وكيانها السياسي الجامع.
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر



