- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الخامسة والثلاثون والأخيرة
لسنا جيل الانتظار بل جيل العمل لإقامة سلطان الإسلام
هذه الكلمات ليست مجرد حماسة عاطفية، ولا دعوة عامة للإصلاح الأخلاقي، بل هي تحديد لموقعنا من الصراع القائم في الأمة، وتعيين لدورنا في معركة مصيرية عنوانها: من يحكمنا؟ وبأي نظام يحكمنا؟ أبحكم البشر وقوانينهم، أم بحكم الله الذي قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؟
الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم في مصر وغيرها ليس مجرد خلل إداري أو أزمة اقتصادية عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لغياب سلطان الإسلام، واحتكام المسلمين إلى أنظمة رأسمالية وضعية تفصل الدين عن الحياة، وتجعل السيادة للشعب لا للشرع، والتشريع للبشر وليس لله. ومن هنا فإن أي حديث عن التغيير لا ينطلق من هذا الأساس هو حديث يدور في الفراغ.
إن المسؤولية التي تحملها الأمة ليست مسؤولية تحسين نظام فاسد، ولا تجميل واقع منحرف، بل مسؤولية استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة تطبق الإسلام كاملاً في الحكم والاقتصاد والاجتماع وسائر شؤون الحياة. فالإسلام ليس وعظاً فردياً، ولا شعائر معزولة، بل هو نظام شامل للحياة، وقد أقامه رسول الله ﷺ دولة في المدينة، فكان حاكماً يطبق الشرع، وقائداً يقيم العدل، ويحمل الدعوة إلى العالم.
من هنا نفهم أن الحديث عن "جيل الطريق" ليس تهرباً من التمكين، بل وعيٌ بطبيعة العمل لإقامة الحكم بالإسلام. فالتمكين وعد من الله، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾، لكنه مشروط بالإيمان والعمل الصالح، والعمل هنا ليس مجرد صلاح فردي، بل عمل سياسي واعٍ لإقامة حكم الله في الأرض.
لقد مكث رسول الله ﷺ في مكة ثلاثة عشر عاماً يصنع رأياً عاماً على الإسلام، ويكوّن كتلة مؤمنة واعية، تصبر على الأذى، وتثبت على الفكرة، وتطلب النصرة لإقامة الدولة. لم يسعَ إلى مساومة قريش على بعض الحكم، ولم يشارك في نظامها، ولم يقبل بحلول وسط، بل ظل يعمل على تغيير جذري شامل حتى أقام الدولة في المدينة. هذا هو المنهج الذي يحدد لنا طبيعة الطريق: صراع فكري وسياسي، وصبر وثبات، وطلب نصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة الحكم بما أنزل الله.
أما واقع مصر اليوم، فالمشكلة فيه ليست في شخص حاكم أو سياسة بعينها، بل في الأساس الذي يقوم عليه الحكم من دستور وضعي، وتشريعات بشرية، وارتهان سياسي واقتصادي لقوى دولية، وربط للبلاد بنظام مالي يقوم على القروض الربوية. وكل ذلك يتناقض مع قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
لذلك فإن وعي الأمة يجب أن ينتقل من الانشغال بالأعراض إلى إدراك أصل الداء أي النظام الرأسمالي الذي يحكم البلاد. وليس الحل في ترقيعه أو إصلاحه، بل في اقتلاعه من جذوره، وإقامة نظام الإسلام الذي يجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، ويقيم الحاكم نائبا عنها في تنفيذ أحكام الله، لا مشرّعاً من دون الله.
وهنا تتضح مسؤولية كل مسلم: أن يكون جزءاً من عمل منظم واعٍ لإقامة هذا الكيان السياسي الذي يطبق الإسلام ويحمله رسالة إلى العالم. فالإسلام فرض الصلاة والصيام، وفرض كذلك الحكم بما أنزل الله، وجعل إقامة الإمام الذي يطبق الشرع فرضاً على الأمة، كما دلّ عليه ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
إن التغيير الحقيقي لا يكون بثورة غضب عابرة، ولا بانتخابات في إطار النظام نفسه، بل بعمل سياسي مبدئي يرفض شرعية الأنظمة الوضعية من أساسها، ويطرح مشروعاً متكاملاً للحكم بالإسلام، ويصنع رأياً عاماً واعياً على هذا الأساس، حتى تصبح إقامة الحكم بالإسلام مطلباً شعبياً عاماً، فتتحقق النصرة ويقوم السلطان.
قد لا نكون نحن جيل التمكين النهائي، لكننا ملزمون أن نكون جيل العمل الجاد لإقامته. جيلاً يصحح المفاهيم، ويكشف زيف الديمقراطية وفصل الدين عن الحياة، ويبين أن الإسلام ليس مجرد هوية ثقافية، بل نظام حكم واقتصاد واجتماع. جيلاً يربي نفسه على الانقياد للشرع، ويرفض المساومة على أحكامه، ويصبر على الطريق مهما طال.
إن وعد الله بالنصر حق، لكن السنن لا تحابي أحداً. فلا بد من عمل واضح، وصبر ثابت، وثقة بوعد الله. واللحظة التي تدرك فيها الأمة أن خلاصها ليس في تغيير الوجوه بل في تغيير النظام من أساسه، وأن عزتها ليست في التبعية للغرب بل في تحكيم شرع ربها، عندها يبدأ التحول الحقيقي.
لسنا جيل الانتظار، ولا جيل التكيف مع الواقع، بل جيل يحمل مشروعاً واضحاً لإقامة سلطان الإسلام في الأرض. وهذا هو الطريق الوحيد لرفع الظلم، وتحقيق العدل، وصيانة الكرامة، واستعادة دور الأمة شاهدةً على الناس كما أراد الله لها أن تكون.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



