- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة السادسة والثلاثون
الأندلس... حين أسقط التمزقُ دولةً وغابت الخلافة فابتلع العدوّ البلاد
لم يكن سقوط الأندلس حادثة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من الانحدار السياسي والفكري. ثمانية قرون من الحكم بالإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية انتهت سنة 897هـ/1492م بسقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين، في يد مملكتي فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى. لكن الهزيمة لم تبدأ يوم سُلِّمت المفاتيح، بل بدأت يوم تفرقت الأمة سياسياً، وضعفت رابطة الدولة الجامعة، وغاب السلطان الواحد الذي يحمي الثغور ويصون بيضة الأمة.
إن قراءة الأندلس من منظور مدني بحت تُغفل الأساس الذي قامت عليه تلك النهضة. دولة تطبق الإسلام وتحمل مشروعاً سياسياً واضحاً. يوم كانت الأندلس جزءاً من كيان سياسي قوي مرتبط بمركز الخلافة، كانت عصية على الاجتثاث. وحين تفككت إلى دويلات عُرفت في التاريخ بدويلات الطوائف، صار كل أمير يبحث عن تثبيت ملكه ولو بالاستعانة بالعدو على أخيه.
هنا يتجلى الدرس الجوهري؛ فالانقسام السياسي أخطر من قوة العدو. لقد استنجد بعض ملوك الطوائف بملوك النصارى ضد جيرانهم المسلمين، ودفعوا لهم الأموال، وقدموا لهم التنازلات، طلباً لبقاء عروشهم. هذا السلوك لم يكن خطأً تكتيكياً عابراً، بل انحرافاً عن مفهوم الأمة الواحدة والسلطان الواحد. حين يتحول الحكم إلى مُلك عضوض قائم على المصلحة الضيقة، تتآكل هيبة الدولة، ويصبح التدخل الخارجي أمراً اعتيادياً.
لم يكن العدو يملك تفوقاً مطلقاً في كل المراحل، بل استفاد من حالة التفكك. ومع مرور الزمن، تراجعت الروح السياسية الجامعة، وضعف الالتزام بأحكام الإسلام في إدارة الحكم، وازداد الترف بين بعض النخب، وانشغل الحكام بصراعاتهم. وهكذا تهيأت الأرضية لسقوط متدرج، انتهى بمشهد تسليم غرناطة وبكاء آخر ملوكها، حتى قالت له أمه مقولتها الشهيرة: (ابكِ مثل النساء ملكا لم تستطع أن تحافظ عليه مثل الرجال)!
إن مشهد أبي عبد الله الصغير وهو يغادر غرناطة لا يمثل هزيمة رجل، بل هزيمة كيان. فقدان المدينة كان نتيجة فقدان الدولة الجامعة قبل ذلك بسنوات طويلة. فحين تغيب الخلافة أو تضعف، وتتحول الأقاليم إلى كيانات متنازعة، يصبح كل جزء عرضة للسقوط منفرداً.
الأندلس تقدم برهاناً تاريخياً على أن بقاء الإسلام في الحكم مرتبط بوجود دولة قوية موحدة. لم تكن المشكلة في قلة الموارد أو ضعف السكان، بل في غياب القيادة الواحدة التي تجمع الأمة تحت راية واحدة. الكثرة بلا وحدة لا تصنع قوة، والثروة بلا سلطان جامع لا تحمي أرضاً.
واقع المسلمين اليوم يكاد يعيد المشهد بصورة أشد تعقيداً. عشرات الدول القطرية، لكل منها حدود وجيوش وسياسات خارجية، حكامها عملاء للغرب وكلها قيد الارتهان وترتبط بتحالفات تقيد قرارها. إذا تعرض جزء من بلاد المسلمين لعدوان، بقي الأمر محصوراً في نطاقه الجغرافي، وكأن الأمة لم تعد جسداً واحداً! هذا التفكك يشبه إلى حد بعيد حال الطوائف قبيل السقوط.
كما أن الارتهان السياسي للغرب يكبل القرار السيادي، ويجعل الأمة دوما تحت الضغط والابتزاز. وهذا ما حدث في الأندلس حين تحولت بعض الإمارات إلى كيانات تدفع الجزية للنصارى لتحافظ على بقائها. التاريخ يثبت أن التنازل لا يحمي الكيان، بل يؤجل سقوطه.
الأندلس أيضاً تبيّن أن المدنية ومظاهرها وحدها لا تكفي. قد تبلغ الأمة ذروة في العلوم والعمارة، لكن إذا لم يكن هناك كيان سياسي يحمي هذا الإنجاز، فإنه ينهار مع أول عاصفة كبرى. المدنية تحتاج إلى دولة ترعاها، والدولة تحتاج إلى عقيدة تضبطها. فإذا انفصلت السياسة عن الإسلام، صار الحكم شأناً براغماتياً تحكمه المصالح الآنية، لا رؤية الدولة التي تحمل رسالة للعالم.
الوحدة السياسية شرط أساسي للثبات، والانقسام مقدمة للانهيار. الأندلس لم تسقط في يوم، بل سقطت حين قبلت الأمة بالتجزئة، ورضيت بأن يكون لكل إقليم رايته وقراره المستقل. وحين غابت المرجعية الجامعة، صار كل جزء يواجه مصيره منفرداً.
إن استحضار الأندلس ليس للبكاء على أطلال، بل لفهم قانون واضح أن الأمة إذا لم يجمعها سلطان واحد على أساس الإسلام، تبقى معرضة للضغط والتفتيت. أما إذا استعادت كيانها السياسي الجامع، الذي يوحد القرار ويحمل الإسلام رسالة للعالم، فإنهم يملكون عناصر الثبات والقوة.
الأندلس إذن ليست قصة ماضٍ بعيد، بل تحذير دائم.
الهزيمة تبدأ من الداخل حين يتصدع الكيان السياسي، ويغيب المشروع الجامع. والنهضة تبدأ حين تدرك الأمة أن قوتها في وحدتها، وأن وحدتها لا تكون إلا بدولة على أساس الإسلام، توحد الراية، وتجمع الصف، وتحول التاريخ من ذكرى سقوط إلى بداية استعادة.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



