- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة السابعة والثلاثون والأخيرة
1924م عام غياب الخلافة، كيف أعاد تشكيل السياسة والهوية
لم يكن عام 1924م مجرد تاريخ يُذكر في كتب السياسة، بل كان نقطة انعطاف كبرى في مسار الأمة. في ذلك العام أُعلن إلغاء الخلافة، فسقط آخر كيان سياسي جامع للمسلمين، وتحوّلت البلاد الإسلامية من وحدة سياسية رغم ما اعتراها من ضعف إلى حفنة من الكيانات المتفرقة. لم يكن الحدث تغييراً إدارياً في قمة هرم السلطة، بل إعادة صياغة كاملة لشكل المنطقة، وحدودها، وأنظمتها، وهويتها السياسية.
قبل ذلك التاريخ، كانت الأمة رغم تباين أقاليمها ترتبط برابطة سياسية واحدة، تُدار من خلالها شؤون الحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، والقضاء، وحماية الثغور. نعم، كان هناك ضعف، وكانت هناك أخطاء، لكن الإطار الجامع بقي قائماً. بإسقاط الخلافة، لم يُستبدل شكل حكم بآخر فحسب، بل أُلغيت فكرة الوحدة السياسية من أصلها، وحلّ محلها نظام دول قطرية رسمت حدودها القوى الاستعمارية وفق مصالحها، لا وفق وحدة الأمة أو مصالحها.
منذ ذلك الحين بدأت مرحلة جديدة بتقطيع أوصال الأمة وبلادها إلى دول، وزرع كيانات مصطنعة، وتغذية النزعات القومية والإقليمية على حساب رابطة الإسلام. أُدخلت أنظمة الغرب، وقوانينه الوضعية، ونُحّي الشرع عن مركز القرار السياسي، وأُعيد تعريف الدولة بوصفها كياناً قوميّاً منفصلاً لا جزءاً من أمة واحدة. وهكذا انتقلت الأمة من كيان سياسي واحد، وإن كان مريضاً، إلى كيانات متنافسة، لكل منها علم وحدود وجيش وسياسة خارجية، وغالباً مصالح متصادمة مع جيرانها.
النتيجة لم تتأخر في الظهور. قضايا الأمة الكبرى فقدت مركزية ووحدة القرار. فلم يعد هناك قرار جامع في مواجهة الاحتلال، ولا موقف واحد في قضايا الحرب والسلم، ولا سياسة اقتصادية تُدار على مستوى الأمة. أصبحت كل دولة تتحرك ضمن حساباتها الضيقة، وتخضع لموازين الغرب، وتخوض الصراعات وحدها بل تتصارع مع بعضها وغيرها وتريق دماء أبنائها لخدمة مصالح الغرب.
الواقع المعاصر شاهد حي على آثار ذلك التحول. حين تقع أزمة في جزء من البلاد الإسلامية، لا تتحرك الأمة كجسد واحد، بل تتحرك كل دولة وفق ميزان مصالح آنية، أو وفق مصالح سادتها في الغرب.
والثروات الهائلة موزعة بين دول، لكنها لا تُدار كقوة موحدة فحسب بل تمنح هبة للغرب بلا مقابل. والجيوش عديدة وقوية، لكنها ليست جزءاً من عقيدة عسكرية واحدة. فالقرارات السياسية تصدر متفرقة، وغالباً متناقضة، ولا تصاغ إلا لمصلحة الغرب. وهكذا بقيت الأمة موحدة في الشعور الديني، لكنها بعيدة عنه في القرار السياسي.
إن هذا التحول لم يكن حادثة تاريخية عابرة، بل أصل أزمة سياسية ممتدة. لأن الإسلام لا يقتصر على العبادة الفردية، بل يضع تصوراً شاملاً للحكم والسياسة والعلاقات الدولية، ويجعل وحدة الأمة السياسية مبدأً أصيلاً. لذلك فإن غياب الكيان الجامع لم يُفقد الأمة مجرد رمز، بل أفقدها الأداة العملية لتطبيق نظامها السياسي على مستوى شامل.
رمضان، بشعائره الجامعة، يطرح مفارقة لافتة. الأمة تصوم معاً، وتفطر معاً، وتتجه إلى قبلة واحدة، وتتلو كتاباً واحداً، وتشعر بوحدة وجدانية وروحية عميقة. لكن هذه الوحدة الروحية لا تنعكس على مستوى القرار السياسي. هنا يبرز السؤال الجوهري، هل يمكن لأمة توحدها العقيدة والشعائر أن تبقى إلى ما لا نهاية بلا إطار سياسي جامع يعبر عن تلك الوحدة؟
إن قراءة ما بعد عام 1924م تكشف أن البلاد الإسلامية لم تخرج من دائرة الأزمات المتلاحقة؛ احتلالات مباشرة، تبعية اقتصادية، نزاعات داخلية، صراعات حدودية، ضغوط سياسية، إعادة تشكيل مستمرة للمنطقة وفق مصالح القوى الكبرى... وكل ذلك يحدث في ظل غياب مرجعية سياسية واحدة قادرة على جمع الطاقات وتوجيهها ضمن مشروع موحد.
لا يعني هذا أن التاريخ يُستنسخ كما هو، أو أن العودة تكون بتكرار الشكل دون مراجعة، لكنه يعني أن سؤال الوحدة السياسية ليس ترفاً فكرياً، بل سؤال يتعلق بقدرة الأمة على حماية نفسها، وإدارة ثرواتها، وصياغة سياساتها الخارجية، والدفاع عن قضاياها الكبرى. حين تغيب الأداة الجامعة، تبقى الطاقات مبعثرة، حتى لو كانت هائلة.
إن عام 1924م لم يكن نهاية مرحلة فحسب، بل بداية طور جديد من التقسيم والتجزئة السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد مائة وخمسة أعوام هل ستبقى الأمة أسيرة ذلك التقسيم بوصفه قدراً دائماً؟ أم أن فكرة وحدة الأمة بوصفها حكما شرعياً واجبا وحاجة واقعية، ستعود لتفرض نفسها بوصفها حلاً جذرياً لأزمة ممتدة؟
التاريخ لا يتحرك عبثاً. وإسقاط الخلافة لم يغيّر شكل الحكم فقط، بل غيّر شكل العالم من حولنا. وإعادة التفكير في تلك اللحظة ليست حنيناً إلى الماضي، بل بحث عن مفتاح لفهم حاضر مضطرب، واستشراف مستقبل تستعيد فيه الأمة قدرتها على أن تصبح أمة واحدة تربطها عقيدة الإسلام، لا مجرد الشعور المشترك.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



