الأربعاء، 14 شوال 1447هـ| 2026/04/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

القدس بوصلة المسلمين الضائعة

 

 

يقال: "إن عشقتَ القدس حقاً فأوفِ المهر"، هكذا كانت القدس في وجدان الأمة؛ مدينة لا تُحَبّ كالأوطان، بل تُعشق كالعقيدة. ليست حجارة وأزقة وأسوارا عتيقة، بل وعد في الوجدان، وجرح في الذاكرة، وبوصلة إن ضاعت ضاع معها الاتجاه. هناك، في قلبها يقف المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين والمسرى الذي بارك الله حوله.

 

لكن هذا المكان الذي كان يوما مركز الوجدان الإسلامي، أصبح اليوم في قلب واحدة من أعقد المؤامرات السياسية والدينية في التاريخ الحديث حين بدأت القصة الحديثة: وعدٌ أعطاه من لا يملك عام 1917، صدر ما عرف بوعد بلفور، حين تعهدت بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم أن الأرض كانت مأهولة بشعبها العربي المسلم والنصارى. ولم يكن ذلك الوعد مجرد رسالة سياسية، بل أصبح لاحقا أساسا لمشروع كامل.

 

بعد ذلك خضعت فلسطين للانتداب البريطاني (1920-1948)، حيث فتحت بريطانيا أبواب الهجرة لليهود وسهلت بناء البنية السياسية والعسكرية للحركة الصهيونية. كان ذلك التحول نقطة مفصلية في تاريخ القدس، إذ بدأ ميزان القوة يتغير على الأرض.

 

أما لحظة الانكسار الكبرى فكانت حين وقعت حرب عام 1967، التي انتهت بسيطرة كيان يهود على شرقي القدس، بما فيها المسجد الأقصى. ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة من فرض السيطرة العسكرية على المدينة، وتغيير البنية الديموغرافية، وتوسيع الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين في القدس.

 

ورغم أن إدارة المسجد الأقصى بقيت رسميا بيد الأوقاف الإسلامية، فإن الاقتحامات والقيود أصبحت جزءا متكررا من الواقع اليومي.

 

في عام 2017 أعلن رئيس أمريكا ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان يهود، ونقل سفارة أمريكا إليها، هذا القرار مثل تحولا سياسيا كبيرا لأنه كسر عقودا من السياسة الدولية التي كانت تعتبر القدس قضية تفاوضية. كما منح دعما سياسيا غير مسبوق لموقف كيان يهود، ما زاد من تعقيد ملف المدينة المقدسة.

 

واليوم نحن بصدد مشاريع دينية تحوم حول الأقصى؛ ففي العقود الأخيرة ظهرت جماعات دينية يهودية تدعو صراحة إلى بناء "الهيكل الثالث" في موقع الحرم القدسي. ومن أشهر هذه الجماعات "جبل الهيكل المؤمنين" التي تعمل منذ عقود للدفع باتجاه تغيير الوضع القائم في الحرم. هذه الجماعات تستند إلى قراءة دينية تعتبر أن بناء الهيكل يجب أن يتم في موقع الحرم القدسي نفسه.

 

لهذا يرى كثير من الباحثين أن الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ليست مجرد أحداث أمنية، بل هي جزء من صراع ديني سياسي طويل حول هوية المكان.

 

واليوم، يغلق المسجد الأقصى، وتمنع فيه الصلاة، ويمنع الناس من الوصول إليه. إن المصيبة ليست في إغلاقه بل في أن يغلق ولا تفتح فينا أبواب الغضب لله، أن يمنع السجود هناك ولا نتحرك نحن هنا!

 

اليوم الصورة واضحة والوجع موثق والأقصى أسير والصمت أصبح اختيارا!

 

إن السؤال لم يعد: ماذا يحدث في الأقصى؟ بل: ماذا حدث لنا نحن؟!

 

قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾، سنسأل عنه. فالقدس تنادي بينما البلاد الإسلامية منشغلة بصراعات لا تنتهي: حروب داخلية، صراعات إقليمية، انقسامات مذهبية وسياسية... حتى أصبحت بوصلة الأمة مشتتة وغابت القدس عن مركز الاهتمام الذي كانت تحتله في وجدان المسلمين عبر قرون.

 

هل يمر الأقصى في أخطر مراحله؟ يجب أن ندرك أن التحولات في القدس تجري ببطء ولكن بثبات. فهناك اقتحامات متكررة لساحات المسجد الأقصى، ومطالبات متزايدة بالسماح بالصلاة اليهودية داخله، ونشاط متصاعد لجماعات تسعى إلى تغيير "الوضع القائم" في الحرم القدسي.

 

وفي الخلفية، هناك مؤسسات دينية تعمل منذ عقود على الإعداد لما تسميه إعادة بناء الهيكل، ومن أبرزها معهد الهيكل الذي أعلن أنه أعد أدوات العبادة الخاصة بالهيكل، ودرب كهنة على الطقوس المرتبطة به. وفي خطوة أثارت جدلا واسعا، جرى عام 2022 استقدام بقرات حمراء من الولايات المتحدة إلى كيان يهود، ضمن مشروع مرتبط بطقس البقرة الحمراء الذي يراه بعض الحاخامات شرطا دينيا لإعادة بناء الهيكل.

 

هذه التحركات ليست مجرد تفاصيل دينية معزولة، بل تعكس صراعا عميقا حول هوية المكان الذي يسميه اليهود جبل الهيكل ويسميه المسلمون الحرم القدسي الشريف، وهنا يكمن الخطر.

 

أما المفارقة المؤلمة فهي أن القدس عبر التاريخ كانت مركز الصراع في وجدان الأمة، لكن في الزمن الحديث أصبحت مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، حتى أصبح السؤال المؤلم: هل تغير موقع القدس في وجدان المسلمين، أم تغيرت البوصلة كلها؟!

 

حين دخلها الخليفة عمر بن الخطاب عام 637م، دخلها بعهد يحفظ مقدسات الجميع. وحين ضاعت القدس بعد الاحتلال الصليبي عام 1099م بقيت في وجدان الأمة حتى استعادها صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين. لم تعد المدينة بالقصائد ولا الأناشيد الوطنية بل نتيجة وحدة سياسية ومشروع حضاري وقوة عسكرية في ظل خلافة راشدة.

 

اليوم يقف كل مسلم أمام سؤال صعب: كيف أصبحت أقدس قضايا الأمة قضية هامشية في عالم يموج بالصراعات؟ وكيف تحولت بوصلة القدس إلى ضجيج بعيد في زمن الأخبار السريعة؟

 

إن الطريق الذي يخبرنا به التاريخ هو أن القدس لم تتحرر في التاريخ بالبيانات ولا بالمشاعر وحدها ولا بالخطب. التاريخ يقول إن المدن المقدسة تصان حين تكون للأمة قوة ووحدة وإرادة. وحين اجتمعت هذه الثلاثة، عاد الأقصى إلى حضن الأمة. ولهذا يبقى السؤال الذي يطرق شعور كل مسلم: هل تعود القدس يوما كما كانت؟ نعم، تعود حين تتحرك أمة كاملة نحوها، حينها فقط قد تمشي الجيوش في الطريق الذي سلكه عمر وصلاح. إن القدس الأسير هو بوصلة المسلمين وعاصمة خلافتها الراشدة الثانية التي بشر بها حبيبنا رسول الله ﷺ، لهذا وجب على جميع المسلمين اليوم العمل على إقامة الخلافة يدا بيد مع حزب التحرير الذي تميز بامتلاكه للمشروع القادر على إعادتها وإقامتها وتحريك جيوشها نحو الأقصى. حينها فقط ستعرف القدس أن أهلها عادوا، ودُفع المهر الذي طال انتظاره.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع