- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أمة أُفرغت من روحها... كيف وصلنا إلى هذا التيه؟!
لم يكن ما تعيشه الأمة اليوم حالة طارئة، ولا نتاج سنوات قليلة، بل هو حصيلة قرن كامل من إعادة تشكيل عميق لهوية المسلم، بدأ بعد حدث مفصلي غيَّر مجرى التاريخ الإسلامي؛ إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924م.
منذ تلك اللحظة، لم يسقطوا نظاما سياسيا فحسب، بل بدأوا مشروعا طويلا لفصل الدين عن الحياة، وتفكيك الأمة من داخلها، حتى أصبحت تعيش الإسلام كشعائر، لا كنظام حياة.
فلنتناول هذه القضية من عدة محاور ليسهل توضيحها:
المحور الأول: فصل الدين عن الحياة
بعد إلغاء الخلافة، لم تترك الشعوب لتختار طريقها، بل فرضت عليها أنظمة مستوردة، تقوم على العلمانية التي تفصل الدين عن الحكم والتشريع. فقد تم استبدال القوانين الوضعية بالشريعة، وربطوا انتماء الأمة بالانتماء القطري الضيق، واستبدلوا بالخلافة الجامعة دولاً ممزقة الحدود والولاءات.
هذا التحول لم يكن بريئا على الإطلاق، بل جاء متزامناً مع حقبة الاستعمار الأوروبي الذي عمل على إعادة تشكيل البلاد الإسلامية وفق رؤيته، بحيث يبقى الدين حاضرا في المساجد وغائبا عن السياسة والاقتصاد والحياة العامة...
المحور الثاني: صناعة "رجال الدين" وتوظيفهم
في تاريخ الإسلام، لم يكن هناك طبقة كهنوتية تحتكر الدين، بل كان العلماء جزءاً من الأمة، يصيبون ويخطئون، ولا يملكون سلطة مستقلة بل مرجعيتهم للخليفة، لكن في العصر الحديث، تم تصنيع نموذج "رجل الدين الرسمي" بحيث يكون موظفا ومرتبطا بالسلطة يبرر قراراتها ويضبط وعي الناس وفق ما يخدم الحاكم، فأُعيد تعريف الدين ليصبح مجرد عبادات فردية معزولة، وطاعة مطلقة للحاكم، ولو خالف الشرع! وأخطر دور قام به رجل الدين اليوم هو تحييد لمفاهيم كبرى مثل الجهاد، فأصبح يُنادى بالجهاد حين يخدم مصالح سياسية، ويُنتقد حين يتعارض مع حسابات دولية. وهكذا تحولت دماء المسلمين في كثير من المواضع إلى أوراق تفاوض، تستثمر لا تصان.
المحور الثالث: صناعة التواكل وإشغال الشعوب
لم يكن كافيا فصل الدين عن الحكم، بل كان لا بد من شل إرادة الشعوب. والسؤال هنا كيف نجحوا في ذلك؟
لقد عملوا على نشر ثقافة التواكل بدل العمل، وربط التغيير بالمعجزات لا بالسنن، وإشغال الناس بالفقر والبطالة. وفي الوقت نفسه أصبح الحرام أسهل وصولاً وأصبح الحلال أصعب طريقاً، فنشأ جيل مثقل بالهموم قبل أن يبدأ حياته، فاقد للهدف، يعيش يومه لا يحمل مشروعا أو هدفا، حتى التعليم نفسه لم يسلم، إذ تم فصله عن الهوية، لينشأ جيل يعرف كل شيء إلا من دينه!
المحور الرابع: السوشيال ميديا وتفاهة ممنهجة
مع تطور الإعلام، دخلت الأمة مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، لكن هذه المرة عبر الشاشات، فلم يعد التوجيه مباشرا، بل أصبح عبر صناعة نجوم من التفاهة، ومكافأة المحتوى السطحي بالانتشار وربط الشهرة والمال بالانحلال الأخلاقي، فنتجت شريحة مستعدة لبيع قيمها مقابل المشاهدات، تقيس النجاح بعدد المتابعين لا بالأثر، وهنا لم تضرب الأخلاق فقط بل ضربت المعايير.
المحور الخامس: الفوضى حتى تفقد الأمة بوصلتها
في مائة عام، لم تهدأ الأمة: حروب، انقلابات، أزمات اقتصادية، أوبئة، حتى أصبح الإنسان لا يبحث عن نهضة بل عن أمان فقط، وفي ظل هذا حاكم ينهب وثروات تُهدر وشعوب تُترك للفقر والعشوائية، فانتشرت الجرائم والرذيلة، والتفكك الاجتماعي، وهكذا، حين تستنزف الأمة في تفاصيل البقاء تفقد القدرة على التفكير في النهوض.
المحور السادس: وعي متأخر بلا حركة
بعد كل هذا، بدأت الأمة تدرك أنها ضائعة؛ تشعر أن هناك خللا عميقا، لكنها لا تثق بمن يقودها وتخشى تكرار الفشل، لأنها أُرهقت من محاولات لم تثمر، فاجتمع فيها حب الدنيا والخوف من التغيير وفقدان الثقة، فأصبحت تتمنى الحل لكنها لا تتحرك نحوه.
المحور الأخير: بين التيه والنهوض
الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أنه لن يتغير حال الأمة وهي تنتظر، ولا يمكن أن تستعيد عزها بشعارات ولا بوعظ ولا بخطب يوم الجمعة ولا بفتح مراكز لتعليم القرآن دون العمل به، ولا بتمني المعجزات، بل لا بد من وعي حقيقي وعمل منظم واصطفاف صادق، لأن طريق النهوض ليس مفروشاً بالراحة، بل ثمنه باهظ.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصدق: هل نقبل أن نستمر أمة بلا وجهة، أم نتحمل كلفة الطريق لنستعيدها؟
فإن لم نكن نحن جيل التمكين، فلنكن على الأقل جيل الطريق إليه، ولنعمل مع من كرسوا حياتهم في العمل لإعادة الأمة إلى بوصلتها الحقيقة من خلال استعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وهم حزب التحرير. فيا جيوشنا، يا مركز انطلاقتنا، فلتكونوا أنصار هذه الأمة، ولنتهيأ للجهاد في سبيل خلافتنا، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
منال أم عبيدة



