الأربعاء، 21 شوال 1447هـ| 2026/04/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أزمات مصطنعة: هل تُدار الفوضى لتحقيق الاستقرار؟

 

ليست الأزمات دائماً تلك اللحظات المفاجئة التي يختل فيها توازن العالم، بل قد تكون في بعض الأحيان نتائج ترتيب دقيق لا يُدرى، تُنسج خيوطه في الظل وتُعرض نتائجه على مسرح الواقع كقدر لا مفر منه. فبين الفوضى التي تبدو عشوائية والنظام الذي يبدو مستقراً مساحة رمادية تتشكل فيها الحقيقة بعيداً عن أعين العامة، حيث لا تُقاس الأحداث بحجمها بل بوظيفتها.

 

في هذا السياق لا تعود الأزمات مجرد اختلالات طارئة، بل تتحول إلى أدوات إعادة تشكيل ضبط موازين القوى، وتُفرض من خلالها قواعد جديدة تحت ضغط الضرورة، وهنا يتسلل السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام عالم يتعثر بأخطائه أم أمام نظام يتقن استخدام الفوضى كوسيلة إلى الاستقرار، مصاغة بعناية؟ بغض النظر كُتب له النجاح أو الفشل؟

 

في أدبيات السياسة يظهر مفهوم قريب مما يُعرف باستراتيجية الصدمة، التي تشير إلى استغلال الأزمات، سواء أكانت اقتصادية أو أمنية، لفرض تغييرات جذرية ما كانت لتُقبل في الظروف الطبيعية.

 

الفكرة بسيطة: حين يكون المجتمع في حالة ارتباك أو خوف تقل قدرته على المقاومة، وتزداد قابليته لتقبل قرارات استثنائية أو دخول في دهليز خيارين لا ثالث لهما. وهنا لا ندخل تحت مظلة المؤامرة، مع أننا داخلها، بل سوف نقرأ الواقع ونحلله.

 

لقد شهد العالم خلال العقدين الماضيين أموراً نريد شرحها، وقد أُثير الجدل حول طبيعتها:

 

- الأزمة المالية العالمية السابقة التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي الرأسمالي، ولكن استُغلت لإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول والمؤسسات.

 

- الصراعات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، حيث تبدو بعض الحروب وكأنها تُدار بالوكالة، وتستمر ضمن سقف لا يسمح بانهيار كامل ولا بانتصار حاسم، كالحرب الروسية الأوكرانية.

 

- أزمات صحية عالمية دفعت العالم إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، كان باطنها مصالح أخرى، ما أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

ونلاحظ أن أغلبها كانت أزمات لإعادة ترتيب المشهد.

 

وفي حين ننظر إلى سياسات ترامب، سواء خلال رئاسته أو في خطابه السياسي الحالي، نجد مفارقة لافتة: خطاب يَعِدُ بالاستقرار يقابله نهج يعتمد على الضغط والتصعيد وكسر القواعد التقليدية والخروج عما يقنع العقل، وهذا ما يدفع البعض إلى تفسير ما يجري في الشرق الأوسط ضمن إطار الفوضى كأداة لإعادة الترتيب.

 

في أحداث الشرق الأوسط اليوم لا تُقاس الأمور فقط بما يحدث على السطح، بل أيضاً يجب النظر لما يُعاد تشكيله في العمق:

 

- تصعيد التوتر في ملفات معينة قد يدفع أطرافاً إلى قبول تسويات لم تكن ممكنة سابقاً.

 

- الضغط الاقتصادي أو السياسي أو العسكري قد يُستخدم لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية.

 

- إيجاد حالة من عدم اليقين قد يُجبر الدول على إعادة تموضعها الاستراتيجي.

 

بهذا المعنى لا تكون الفوضى هدفاً بحد ذاتها، بل مرحلة انتقالية نحو نظام جديد، وهنا نسأل: أي استقرار يُراد تحقيقه؟ ولمصلحة من؟

 

إن حلف أمريكا يسعى من هذه الأزمات إلى تحقيق استقرار ليس بمعنى الهدوء الشامل وتخفيض التصعيد، بل قد يعني استقرارا يضمن توازن قوى يخدم مصلحة محددة.

 

إن ما تقوم به اليوم أمريكا عبر إدارات مختلفة، من بينها إدارة ترامب، يُفهم الاستقرار غالباً على أنه منع هيمنة قوة إقليمية واحدة بالكامل، والحفاظ على توازن يمنع الانفجار الشامل في المنطقة ضمن إطار يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه نسبياً، وهذا لا يعني غياب التوتر بالإدارة.

 

الطاقة والممرات عامل مركزي: النفط والغاز كمصادر طاقة حيوية، والممرات البحرية مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب وطرق تجارية، فإنها تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، لذلك تسعى أمريكا أن تبقي هذه الشرايين واقعة تحت سيطرتها دون إغلاق كامل في هذه المرحلة، وتأمين حضور عسكري أو تحالفات قريبة منها، وهذا ليس معناه افتعال كل الأزمات، بل هي أحياناً استجابة لها بطريقة تخدم مصالحها.

 

تقليل الفوضى غير المسيطر عليها مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة ومفاتيح إعادتها بيدها. والفوضى غير المسيطر عليها هي التي لا يوجد فيها طرف قادر على فرض توازن مستقر لمصلحة أمريكا، ولا توجد خطوط حمراء واضحة تحكم التصعيد، والخسائر تمتد بلا سقف زمني أو سياسي، مثل حالة السودان اليوم.

 

فرض واقع جديد يصبح مع الوقت طبيعياً وهي عملية ممنهجة تتم عبر مراحل:

 

الصدمة الأولى: يحدث تغيير كبير (بالقرار السياسي أو تحرك عسكري أو إجراء اقتصادي) يثير رفضاً واسعاً، مثل الحالة السورية والتنازلات العميقة.

 

التكيف القسري: مع مرور الوقت تبدأ الأطراف في التعامل مع الواقع الجديد لأنه أصبح موجوداً، مثل حالة فنزويلا اليوم.

 

إعادة التأطير: ويتم تقديم هذا الواقع كأمر ضروري أو حتمي عبر الإعلام والخطاب السياسي، كحالة غزة اليوم.

 

التطبيع: يتحول الأمر إلى جزء من الحياة اليومية وتختفي تدريجياً حدة الرفض، كما يُهيأ لدول الخليج وخاصة السعودية للتطبيع مع كيان يهود.

 

بعبارات أخرى، قد يكون الهدف ليس إنهاء الفوضى بل إدارتها ضمن حدود يمكن التحكم بها.

 

وهنا لا نقول أبداً إن كل الأزمات هي مصطنعة، فمنطقة الشرق الأوسط فيها تراكمات تاريخية عميقة وصراعات محلية وإقليمية متشابكة وتداخلات دولية مضطربة بالمصالح، ولا ننسى أنها المنطقة الأكثر قابلية لولادة دولة الإسلام القادمة، ولكن نقول إن بعض الأطراف قد تستثمر هذه الفوضى وتعيد توجيهها عبر مصالحها.

 

إن ما يسهل الأمر على أمريكا أنها تمتلك اليوم القوة والهيمنة التي تساعدها في رسم الخطط دون منافس، ولا وجود اليوم لطرف مقابل على رقعة الشطرنج، فإن الصين مارد تجاري يسهل التعامل معه مع عدم وجود قوة واضحة حتى اللحظة، وهو لا يملك مبدأ حتى يموت لأجله، بل هو عقل تجاري وتكنولوجي جبان.

 

فلن يستطيع تغيير هذا الواقع سوى ظهور دولة الإسلام، وهذا ما يخيفهم، ما جعلهم يديرون كل الصراعات على أرض المسلمين، ويعملون على تدمير البنية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، بل ويقسّمون المقسَّم ويجعلون المنطقة رهينة كيان يهود بأن يجعلوه القوة الضاربة في المنطقة مع قدرتها على لجامه، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

 

وإن دولة الإسلام قائمة لا محالة بإذن الله، لأنها وعد الله لنا، ولأن هناك حزباً يعمل ويحمل هذا الهدف ويضعه نصب عينيه، وهو حزب التحرير الذي لا تغفل عينه ولا يلين له عزم، ويعلم أن الله ناصره ولو بعد حين.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع