- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
هرمز المأزق الذي يبتلع حسابات أمريكا
في السياسة الدولية، هناك مناطق لا تُقاس أهميتها بالجغرافيا وحدها، بل بحجم التأثير الذي تمتلكه في الاقتصاد العالمي والتوازنات العسكرية. ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه المناطق، إذ تحوّل عبر عقود إلى عقدة استراتيجية تختبر قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وفي هذا السياق، يبدو رئيس أمريكا ترامب أمام معادلة معقدة؛ فهو لا يستطيع المضي في الحرب إلى نهايات غير محسوبة، كما لا يستطيع إنهاء التوتر بالطريقة التي يريدها دون أن يدفع ثمناً سياسياً أو استراتيجياً. وهنا تحديداً تتجلّى أزمة القرار الأمريكي في الشرق الأوسط.
لقد بُنيت سياسة ترامب الخارجية على مبدأ "الضغط الأقصى"، وهو مبدأ يقوم على استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية لفرض التنازلات. غير أن منطقة الخليج، وخصوصاً ملف مضيق هرمز، ليست ساحة سهلة يمكن إخضاعها بمنطق الاستعراض السياسي وحده؛ فأي تصعيد واسع يحمل في طياته تهديداً مباشراً لأسواق الطاقة العالمية، ويضع الاقتصاد الدولي أمام احتمالات اضطراب خطيرة.
إن الحرب في هذه المنطقة ليست خياراً عسكرياً خالصاً، بل قرار تتداخل فيه المصالح النفطية، وحسابات الحلفاء، وضغوط الداخل الأمريكي. فأمريكا تدرك أن الدخول في مواجهة طويلة قد يستنزفها سياسياً واقتصادياً، خاصة في ظل مزاج أمريكي متعب من الحروب والأزمات الخارجية. وفي المقابل، فإن التراجع أو القبول بتسويات لا تحقق الأهداف المعلنة قد يُظهر الإدارة بمظهر العاجز عن فرض شروطه.
هنا يمكن القول إن مأزق ترامب لا يكمن فقط في طبيعة الخصوم، بل في طبيعة المنطقة نفسها. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو ورقة ضغط دولية قادرة على تحويل أي مواجهة محدودة إلى أزمة عالمية.
وبذلك يصبح قرار أمريكا محاصراً بين خيارين أحلاهما مرّ: التصعيد الذي قد يفجّر المنطقة، أو التهدئة التي قد تُفسَّر باعتبارها تراجعاً عن خطاب القوة. وفي النهاية تكشف أزمة هرمز حقيقة ثابتة في السياسة الدولية، وهي أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تكفي دائماً لحسم الصراعات، خصوصاً حين تتشابك الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتعقد الحسابات الإقليمية والدولية.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الممرات المائية التي تقع في قلب بلاد المسلمين ليست مجرد حدود جغرافية أو طرق لعبور السفن، بل هي ثروة استراتيجية هائلة منحها الله لهذه الأمة. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى مضيق ملقا وغيرها من الممرات الحيوية، ظل المسلمون يملكون مفاتيح التجارة والطاقة العالمية، لكنهم لم يحسنوا حتى اليوم تحويل هذه النعمة إلى قوة اقتصادية وسياسية موحدة تخدم شعوبهم وتحفظ استقلالهم.
لقد أدركت القوى الكبرى منذ زمن بعيد أهمية هذه الممرات، وما لم تدرك دول المنطقة أن أمن هذه الممرات ووحدتها الاقتصادية يمثلان أساساً لنهضة حقيقية، فإن ثرواتها ستبقى عرضة للاستنزاف، وستظل قراراتها مرهونة بمصالح الآخرين.
فهذه الممرات ليست عبئاً سياسياً كما يصورها البعض، بل هي فرصة تاريخية لصناعة قوة اقتصادية عالمية، إذا أحسن المسلمون استثمارها من أجل استعادة عزهم وكرامتهم المفقودة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



