- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الانتشار المصري في الإمارات ومخاطر الحروب بالوكالة
في مشهد إقليمي متقلب، جاء الإعلان المصري الإماراتي عن تمركز مفرزة من المقاتلات المصرية في أراضي الإمارات ليضع النقاط فوق الحروف؛ فالتحالف الاستراتيجي بين مصر والإمارات لم يعد مجرد بيانات دبلوماسية، بل أصبح قواعد عسكرية وجاهزية ميدانية.
لذا، يتردد بين السياسيين سؤال مهم: هل هذا الانتشار مجرد ردع وتضامن عربي، أم أنه تمهيد لسيناريو أوسع يقود المنطقة إلى حرب مفتوحة؟ وهل هناك أصابع خفية تقود هذا السيناريو ليتحقق ويرسم خرائط جديدة للمنطقة؟
الحقيقة أن الأمر لم يعد مجرد تكهنات، فالإمارات ولأول مرة أعلنت رسمياً استضافة مفرزة من المقاتلات المصرية (قوات جوية من مقاتلات رافال هي النواة الرئيسية للمهمة، وقد استدل الخبراء من رقم DM21 الذي ظهر على ذيل الطائرة أنها من نوع رافال، وقد وصل عددها بين 8 إلى 10 طائرات، وهي تتمركز في قاعدة الظفرة الجوية التي تبعد 30 كلم عن أبو ظبي، وهي القاعدة الرئيسية التي تستضيف أصلاً وحدات عسكرية أمريكية وفرنسية. الأناضول 7/5/2026).
وقد تفقد الرئيسان السيسي وابن زايد هذه القوات، وصرح السيسي قائلاً: "ما يمس الإمارات يمس مصر"، وكان ذلك أكثر من مجرد دعم معنوي.
أما في مصر، فإن القرار أثار انقساماً داخل الأوساط السياسية والإعلامية؛ فبعضهم رأى فيه تعزيزاً للأمن القومي العربي، بينما حذر آخرون من التدخل في صراع خارج الحدود، مستندين إلى مواد دستورية تقضي بأخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي مجلس النواب قبل إرسال قوات لمهام قتالية خارج البلاد. هذا الجدل يعكس حساسية الخطوة وحجم المخاطر التي تحملها.
إن أمريكا وكيان يهود يسعيان لتوريط الخليج في حرب بالوكالة، وهذا هو البعد الأكثر إثارة للجدل، ومع رؤيتنا أن الخليج برمته يدفع دون دخول مباشر في هذا الصراع، رغم ما تكبده من خسائر، إلا أننا نجد أن الإمارات لها رأي آخر، وهي تدفع نحو تأجيج الأوساط.
وأغلب قراء السياسة يرون أن أمريكا لا تريد حرباً شاملة تدمر الخليج بشكل كامل، لأن استقرار الطاقة والأسواق العالمية يبقى مصلحة أمريكية حيوية، لكنها في الوقت نفسه تستفيد من إبقاء المنطقة في حالة خوف دائم، لأن ذلك يعزز اعتماد الخليج على حمايتها، ويزيد من صفقات السلاح، ويمنحها قدرة أكبر على إعادة تشكيل التحالفات.
أما كيان يهود، فهو ينظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول، ويسعى منذ سنوات إلى بناء محور إقليمي يضم دولاً عربية تحت عنوان مواجهة الخطر الإيراني. وهنا يظهر خطر تحويل الصراع السياسي والجيوسياسي إلى صراع مذهبي بين السنة والشيعة، لأن هذا النوع من الحروب هو الأكثر قابلية للاستمرار، والأكثر تدميراً للنسيج المجتمعي في المنطقة.
والمشكلة أن المنطقة عاشت هذا السيناريو سابقاً بعد غزو العراق عام 2003، حين تحولت التوازنات السياسية إلى صراعات طائفية امتدت من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، واليوم يخشى الكثيرون من إعادة إنتاج النموذج نفسه، هذه المرة على مستوى الخليج العربي بأكمله.
ومصر تتحرك بحذر شديد، فهي تدرك أن أي حرب واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على اقتصادها، وعلى الملاحة في البحر الأحمر، وعلى تحويلات العملات المصرية في الخليج، لذلك من المرجح أن يكون دورها أقرب إلى الردع السياسي وحفظ التوازنات العربية، لا الدخول في حرب مفتوحة.
والحليفان أمريكا وكيان يهود، لكل منهما مصالحه، ولكن الأصل هو مصالح أمريكا، بينما يستغل كيان يهود ذلك لتنفيذ أهدافه الخاصة. فأمريكا ترغب في استنزاف المنطقة؛ العرب وإيران، وضرب بنيتها التحتية، ما يتيح تفوق كيان يهود تحت غطاء الدفاع عن المعسكر السني، وترسيخ تطبيع أوسع، مع الحفاظ على تفوقه في المنطقة بعد إنهاك الجميع.
وطبعاً، فالآلية كما شاهدنا تقوم على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج كورقة ضغط لجر الدول المستضيفة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وهذا ما لاحظناه من محاولات للانجرار وراء ذلك حتى الآن. وأيضاً إيران تدرك هذا الفخ، وتحاول تجنب الحرب المباشرة مع الخليج، مع استمرار استهداف القواعد الأمريكية عبر وكلائها، وكذلك تحاول الضغط دبلوماسياً على دول الخليج لوقف التعاون العسكري مع أمريكا، تحت شعار الأمن الجماعي بدلاً من الأمن المأجور.
ونلاحظ سيناريوهات عدة لهذه الحالة:
أولاً: الانزلاق التدريجي نحو المواجهة: في لحظة ما، ومن قوة الضغط الذي يُمارس عليها، قد تجد دول الخليج نفسها تنزلق في التصعيد الإماراتي، وتجد نفسها مضطرة للرد أو إعادة السماح باستخدام قواعدها، وهنا تتحول إلى معركة إقليمية تكون فيها القوات المصرية في الإمارات عاملاً مساعداً لقوات الخليج.
ثانياً: وهو الأكثر واقعية، حرب الوكالة: وذلك باستمرار وتيرة التصعيد المحدود؛ أي ضربات هنا واغتيالات هناك وحرب إلكترونية دائمة، دون أن يتخطى أحد الخط الأحمر المفضي إلى حرب مباشرة، وعليه تتحمل دول الخليج تكلفة باهظة لهذه الحرب وخسائر في اليمن، وهنا يكون الدور المصري مانعاً لانهيار الجبهة.
ثالثاً: قد يكون وجود القوات المصرية ليس فقط لأغراض عسكرية، بل أيضاً لإظهار أن القوة العربية موحدة، ولتعزيز الموقف التفاوضي بين أمريكا وإيران، حيث يبحث الخليج عن ضمان أمني حقيقي، وليس مجرد التورط في حرب أمريكية.
الحقيقة أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة جداً، فإن المخاوف من أن يتحول الخليج إلى ساحة حرب طائفية جديدة ستظل قائمة ما دام كيان يهود يدفع نحو ذلك، والقرار الحقيقي يبقى بيد صناع القرار: هل يريدون أن يكونوا أطرافاً في معادلة مستقلة، أم أدوات في لعبة كبيرة لا ترحم؟
إن أخطر ما يهدد المنطقة ليس فقط الحرب العسكرية، بل نجاح القوى الدولية والإقليمية في إعادة تعريف الصراع على أساس طائفي، فعندما تتحول السياسة إلى هوية مذهبية يصبح إطفاء الحروب أكثر صعوبة، وتصبح المنطقة كلها رهينة للخوف والانقسام لعقود طويلة.
وإن استخدام الطائفية هو مبرر لفرقة المسلمين وابتعادهم عن بعضهم، وارتمائهم في أحضان أمريكا للبحث عن الخلاص، كما يحصل الآن من دعوات في العراق للاستعانة بأمريكا للخلاص من الظلم الطائفي الشيعي، علماً أن أمريكا هي نفسها من دعمت الشيعة ضد السنة في العراق، والآن السنة يطلبون دعم أمريكا للخلاص من الشيعة عملاء أمريكا! وهذا منتهى الغباء والانحطاط والإحباط، وهو أمر خطير لأنه يعزز بقاء الطائفية المقيتة، وبالتالي يعزز انقسام الأمة.
إن قدوم أمريكا وربيبتها إلى المنطقة أصبح معلوماً هدفه وهو احتواء المنطقة برمتها، وجعل كيان يهود هو القوة الضاربة فيها مع إمكانية توسعه. إن الغرب يعي أن هذه المنطقة هي مهد الحضارات، وأن إضعافها وإضعاف بنيتها التحتية وجعل الكيان مسيطراً عليها يعطي أمريكا مزيداً من الاطمئنان بعدم قيام دولة إسلامية في المنطقة، في حال انشغال شعوبها بأزماتها الداخلية.
إن قرار المنطقة مرتبط بأبنائها؛ فإما أن تبقى هذه الأمة خاضعة وتسير في مسار التبعية، يفعل بها حكامها الخونة ما يشاؤون، وينفذون - عن قصد أو دون قصد - المخططات الغربية، وخاصة الأمريكية، ويكونون هم العائق الحقيقي أمام قيام دولة الخلافة في المنطقة. أو أنهم سوف يستفيقون من غفلتهم، لأن هؤلاء الحكام الخونة تجب إزالتهم، وبإزالتهم يزول نفوذ يهود، لأن الأمة هي صاحبة القرار، فإذا التفت حول حملة الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية وعودة مبدأ الإسلام للحكم، وخلع هؤلاء الحكام، والالتفات إلى قضايا هذه الأمة المصيرية، والاستقلال بالقرار السياسي تحت ظل دولة الخلافة، فإن النصر يكون أقرب بكثير مما نتصور، وما هو بحلم، بل هو بعون الله قريب جداً. وإن تكسير القيود والسير نحو الأمجاد كأسلافنا، والعودة خير أمة أخرجت للناس، يكون بأن نغير أحوالنا، ونعود إلى ديننا، ونرفع راية رسول الله ﷺ، أمل الأمة، ونعود أكبر دولة وأعزها، لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ونوره.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



