- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ممرات النقل في آسيا الوسطى
القرصنة الجيوسياسية وسلاسل الاستعمار الجديد
إن ممرات النقل الدولية ليست مجرد مجموعة من الطرق السريعة أو السكك الحديدية، بل هي الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. فهي تربط مختلف البلدان والمناطق في سلسلة اقتصادية واحدة، ما يضمن الحركة السلسة للسلع وموارد الطاقة ورؤوس الأموال. وبالنسبة للمناطق المغلقة غير الساحلية مثل آسيا الوسطى، تعتبر هذه الممرات شريان الحياة، إذ بدونها تستحيل التجارة والتطور مع العالم الخارجي. تكمن أهمية ممرات النقل في أن من يسيطر على هذه الطرق لا يحصل فقط على الرسوم الجمركية وعائدات الترانزيت من التدفقات التجارية، بل يمتلك أيضاً القدرة على التأثير في القرارات الاقتصادية والسياسية للدول التي تمر عبرها هذه الطرق. واليوم، أصبحت الممرات التي يتم إنشاؤها حول منطقتنا؛ المسار الشمالي، ومشروع "حزام واحد وطريق واحد" الصيني، و"الممر الأوسط" عبر بحر قزوين، والمسارات المتجهة جنوباً الأدوات الرئيسية التي تستخدمها القوى العالمية للسيطرة والهيمنة على آسيا الوسطى.
وأحدث وأبرز مظاهر هذا الصراع هو الممر المسمى طريق ترامب للسلام والازدهار (TRIPP) والذي يجري بناؤه بوساطة أمريكية، والذي نشأ على أساس اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا. ووفقاً لاتفاقيات عام 2025، حصلت أمريكا على حقوق إدارة حصرية لمدة 99 عاماً على هذا الطريق القصير ولكن ذي الأهمية الاستراتيجية، والذي يمر عبر منطقة ميغري في أرمينيا ممر زانجيزور.
هذا الممر ليس مجرد طريق عبور، بل هو بوابة أمريكية تربط آسيا الوسطى بأوروبا، متجاوزة روسيا وإيران تماماً. وتطمح واشنطن من خلال إنشاء منطقة سيطرة مشابهة لقناة بنما هنا إلى الاستيلاء على تدفق موارد الطاقة والمعادن في المنطقة. ومن جانبها، تدين إيران وروسيا هذا المشروع بشدة وتعتبرانه تهديداً مباشراً لأمنهما لأنه سيدمر احتكارهما القومي. ويؤكد الخبراء السياسيون أن هذا الممر سيعيد رسم خريطة جنوب القوقاز، وينقل المنطقة إلى السيطرة العسكرية والاقتصادية الدائمة للغرب، وبشكل أدق أمريكا.
وفي الوقت نفسه، فإن حرب أمريكا وكيان يهود على إيران عام 2026 وإغلاق مضيق هرمز قد غيّر خريطة النقل في المنطقة بالكامل. فقد أُصيبت جميع المسارات الجنوبية والموانئ التي تمر عبر إيران بالشلل التام. وهذا الأمر حرم دول آسيا الوسطى من الترانزيت الإيراني، وجعلها أكثر اعتماداً وحاجةً إلى بحر قزوين و"ممر ترامب".
وعلى وجه الخصوص، بعد توقف عبور أكثر من 20 مليون برميل من النفط يومياً و20٪ من الغاز الطبيعي المسال في العالم عبر مضيق هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة العالمية بشكل حاد، وتوقفت موانئ بندر عباس وتشابهار ضمن ممر "الشمال - الجنوب" عن العمل. ويرى الخبراء الدوليون أن هذا الوضع بمثابة خنق جيوسياسي لاقتصاد آسيا الوسطى، ويجبر المنطقة على الارتهان حصراً للمسارات الأمريكية أو الصينية.
وفي هذا الصدد، حذر خبراء مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) من أن "إغلاق مخارج آسيا الوسطى الجنوبية أدى إلى زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية بنسبة 40٪، وهذا سيؤدي إلى خروج التضخم الإقليمي عن السيطرة". وفي بيان رسمي، صرحت مفوضية العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي أنه "في ظل ظروف عدم الاستقرار في مضيق هرمز، فإن ممر ترامب وترانزيت بحر قزوين ليسا مجرد بديل، بل هما الضمان الأمني الوحيد للمنطقة".
ومن جهتهم، وصف خبراء المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية هذا الوضع بأنه "مرحلة جديدة من الحصار الاستراتيجي لآسيا الوسطى"، مشيرين إلى أنه في الوقت الذي يخنق فيه لهيب الحرب المنطقة اقتصادياً، تستغل الدول الغربية هذه الأزمة لتقييد آسيا الوسطى وإحكام قبضتها عليها في دائرة نفوذها بشكل أشد.
لقد أصبحت منطقة آسيا الوسطى اليوم أكبر ساحة جيواقتصادية تتصادم فيها المصالح الاستراتيجية لمراكز القوى العالمية. وتشكل السيطرة على ممرات النقل والخدمات اللوجستية المحور الأساسي لهذا الصراع، ومن ثم الاستحواذ على ثروات المنطقة من المواد الخام والتحكم في طرق التجارة العالمية. هذه المنطقة، التي كانت تاريخياً مفترق طرق لطريق الحرير العظيم، يُنظر إليها اليوم في ظل النظام العالمي الرأسمالي ببساطة على أنها منطقة عبور ومصدر للموارد بالنسبة للدول الكبرى.
وفي جوهر التصريحات الطنانة لقادة دول آسيا الوسطى حول السياسة المتعددة النواقل والترابط الإقليمي، تختبئ في الواقع مراحل جديدة من التبعية الاقتصادية والسياسية للقوى الاستعمارية الكبرى. في المقام الأول، يجب تسليط الضوء على المشروع الصيني الضخم "حزام واحد وطريق واحد"، فبالنسبة لبكين، تعتبر آسيا الوسطى الممر البري الأكثر أماناً والأقصر للوصول إلى السوق الأوروبية. ومع حلول عام 2026، فإن الأخبار الرسمية عن دخول بناء خط سكة حديد الصين - قرغيزستان - أوزبيكستان في مرحلته النشطة ليس مجرد إنجاز اقتصادي، بل هو فتح كامل للمنطقة أمام التوسع الاقتصادي الصيني.
ووراء تصريح الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنه "يجب علينا تعزيز اتصالات النقل والمواصلات مع آسيا الوسطى وبناء مجتمع مصير مشترك"، يكمن في الواقع هدف تقييد المنطقة بالكامل للاقتصاد الصيني. لا تقوم الصين بنقل بضائعها عبر هذه الطرق فحسب، بل تحد أيضاً من سيادة دول المنطقة من خلال الإيقاع بها في فخ الديون. فوفقاً للإحصاءات الرسمية، فإن أكثر من نصف الدين الخارجي لكل من قرغيزستان وطاجيكستان يعود تحديداً إلى الصين، وقد تشكل هذا من خلال القروض التي تم الحصول عليها لمشاريع النقل هذه. إن الهدف الحقيقي للصين هو تحويل المنطقة إلى قاعدة للمواد الخام الخاصة بها وتأمين طريق بري لها خالٍ من نفوذ أمريكا التي تسيطر على معظم الطرق البحرية.
ومن ناحية أخرى، تتشبث روسيا بأسنانها وأظافرها للحفاظ على دائرة نفوذها التاريخية. فبالنسبة لها، يجب أن تمر ممرات النقل في آسيا الوسطى عبر المسار الشمالي، أي عبر السكك الحديدية العابرة لسيبيريا ترانسيب وطرق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. إن الموقف الرسمي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين القائل بأن "آسيا الوسطى هي منطقة مصالحنا الاستراتيجية وسنواصل تطوير السلاسل اللوجستية هنا في إطار مشروع الشمال - الجنوب" يعني أن روسيا تعتبر سعي دول المنطقة نحو الجنوب أو الغرب تهديداً لأمنها القومي.
فنظام النقل الخاضع لسيطرة الكرملين هو الزمام الرئيسي الذي يربط آسيا الوسطى بالإرادة السياسية الروسية. وتصريحات المسؤولين الروس بشأن تطوير ممر النقل الدولي الشمال - الجنوب تهدف في جوهرها إلى تجاوز العقوبات الغربية من خلال إشراك الهند وإيران، والحفاظ على الاحتكار اللوجستي في المنطقة.
وكقوة ثالثة، تدعم الدول الغربية؛ أمريكا والاتحاد الأوروبي بنشاط مشروع الممر الأوسط (Middle Corridor) الذي يمر عبر بحر قزوين وأذربيجان. وهذا المشروع ليس مجرد طريق نقل، بل هو الأداة الجيوسياسية الرئيسية لعزل آسيا الوسطى وسلخها عن النفوذ الروسي والصيني. ويؤكد البيان الرسمي للرئيس الأذري إلهام علييف بأن "أذربيجان جسر عبور مهم بين آسيا الوسطى وأوروبا، وسنحشد كافة إمكانياتنا لزيادة قدرة الممر الأوسط"، يؤكد على الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر.
ووراء وعد الاتحاد الأوروبي باستثمار مليارات اليوروهات في نظام النقل بالمنطقة في إطار استراتيجية البوابة العالمية، تكمن مصلحة إيصال موارد الطاقة؛ الغاز والنفط إلى أوروبا متجاوزين روسيا. وكلمات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن "آسيا الوسطى أصبحت شريكاً استراتيجياً لأوروبا وسنعمل على زيادة الاستثمارات لتنويع اتصالات النقل"، هي في الواقع التعبير الرسمي عن خطة تحويل المنطقة إلى جهة مانحة للمواد الخام للغرب. ولا يمكن هنا الحديث عن العدالة أو رفاهية المنطقة؛ فكل ما هنالك هو صراع حول أي قوة ستستغل آسيا الوسطى بشكل أكبر.
ففي النظام العالمي الرأسمالي، تعد ممرات النقل مجرد حلقة في سلسلة، حيث يزداد الأقوياء ثراءً على حساب ابتلاع الضعفاء. إن السياسة المتعددة النواقل لأوزبيكستان والدول المجاورة تجعلها عملياً مدينة وخاضعة لجميع القوى الكبرى. فكل كيلومتر يُبنى من الطرق وكل مركز لوجستي يخدم زيادة أرباح الشركات الدولية، بينما يظل السكان المحليون مجرد قوة عاملة رخيصة.
إن السبيل الوحيد للخلاص من هذا الوضع المعقد والقائم على الظلم والاستعمار هو الوحدة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة. ومن وجهة نظر الإسلام، فإن حرمان الدول الداخلية في آسيا الوسطى من الوصول إلى البحر ليس مشكلة جغرافية طبيعية، بل هو نتيجة تمزيق الأمة الإسلامية بحدود مصطنعة. فإذا اتحدت دول المنطقة مثل أذربيجان وأفغانستان وباكستان وإيران في ظل دولة إسلامية واحدة، فإن آسيا الوسطى ستحصل بشكل طبيعي على وصول مباشر إلى بحر قزوين والخليج العربي والمحيط الهندي. وعندها ستخدم ممرات النقل الاحتياجات الاقتصادية الداخلية للمسلمين، وليس مصالح القوى الخارجية؛ أمريكا أو الصين أو روسيا أو أوروبا. وفي الإسلام، تعتبر جميع الثروات الباطنية والمياه ومصادر الطاقة ملكا عاما. وفي دولة الخلافة، لا يتم بناء البنية التحتية للنقل من أجل تسليم هذه الثروات إلى أيدي المستعمرين، بل يتم بناؤها بهدف توزيعها من أجل رفاهية الأمة.
ولا مجال لمفهوم فخ الديون في النظام الإسلامي، لأن النظام المالي الدولي القائم على الربا سيُعلن حراماً، وستتطور الدولة بالاعتماد على مواردها الداخلية. في الواقع، إن القوة الوحيدة المستقلة سياسياً وعسكرياً، والتي يعتمد اقتصادها على عدل الإسلام أي دولة الخلافة، هي وحدها القادرة على إنقاذ آسيا الوسطى من أن تكون ألعوبة جيوسياسية.
في عهد أجدادنا، لم يربط طريق الحرير الشعوب بالتجارة فحسب، بل ربطهم أيضاً بحمل الدعوة ونور الإسلام، أما الممرات اليوم فهي مجرد سلاسل استعمارية. وفي الوقت الحاضر، فإن الصعوبات في تنسيق مشاريع النقل بين الأنظمة للمنطقة والمصالح المنفصلة لكل نظام تخلق ظروفاً ملائمة للقوى الكبرى لاتباع سياسة "فرّق تَسُد"؛ فعلى سبيل المثال، كثيراً ما تتصادم مواقف تركمانستان بشأن ممرات الغاز، ومصالح طاجيكستان في المياه والطاقة، وتطلعات أوزبيكستان للعبور، تتصادم بعضها مع بعض.
وبما أن كل نظام في النظرة الرأسمالية لا يفكر إلا في مصلحته القومية، بل في الواقع مصلحة الدوائر الحاكمة، فإنها ستظل دائماً ضعيفة أمام الدول الكبرى. أما الإسلام فيقضي على هذه التفرقة القومية ويوحد جميع بلاد المسلمين في دولة واحدة؛ في دولة الخلافة، وبذلك يحطم كل الضغوط الاقتصادية والسياسية للمستعمرين.
واليوم، تقف شعوب آسيا الوسطى أمام طريقين: إما أن يكونوا خدماً في ممرات الدول الكبرى مثل أمريكا والصين وروسيا، أو أن يقدموا للعالم نظاماً جديداً للعدالة معتمدين على إيمانهم ووحدتهم.
ويظهر التاريخ أننا كلما توحدنا على دين الله، كنا أعزاء، وكلما اغتررنا بـالوعود الرخيصة للمستعمرين، واجهنا الظلم والتبعية. إن العواصف الجيوسياسية اليوم تدعونا مرة أخرى إلى تلك الوحدة المجيدة. وهذه الوحدة ليست مجرد تحالف اقتصادي، بل هي تكامل سياسي وعقدي تحت ظل دولة الخلافة.
ومع عودة الخلافة، ستُزال الحدود المصطنعة وحواجز المصالح الوطنية الضيقة التي تفصل دول آسيا الوسطى بعضها عن بعض. وستحول هذه الدولة العظيمة المنطقة من ألعوبة جيوسياسية للقوى الخارجية إلى مركز القوة الرائد في العالم. وفي ظل الخلافة، لن تخدم ممرات النقل نقل ثروات المستعمرين، بل ستخدم تلبية احتياجات المسلمين ونشر رسالة الإسلام إلى العالم أجمع. إن عزة شعبنا والتحرير الحقيقي للمنطقة مرتبطان بعودة هذا النظام الإلهي. وهذه الأيام المشرقة، بإذن الله، قريبة حقاً. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
صلاح الدين الأوزبيكي



