الأحد، 26 رمضان 1447هـ| 2026/03/15م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

شرح مواد النظام الاقتصادي في الإسلام (ح8) - المادة (133)

  • نشر في النظام الاقتصادي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1736 مرات

نص المادة 133:

((الأرض العشرية هي التي اسلم أهلها عليها, وأرض جزيرة العرب, والأرض الخراجية هي التي فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب, والأرض العشرية يملك الأفراد رقبتها ومنفعتها, وأما الأرض الخراجية, فرقبتها ملك للدولة ومنفعتها يملكها الأفراد, ويحق لكل فرد تبادل الأرض العشرية, ومنفعة الأرض الخراجية بالعقود الشرعية وتورث عنهم كسائر الأموال)) .

هذه المادة تحتوي على عدة أحكام شرعية, فلا بد من بيانها وبيان أدلتها من الكتاب والسنة وما ارشدا اليه من إجماع وقياس.

والأرض نوعان لا ثالث لهما وستبقى هكذا حتى قيام الساعة, إما أن تكون عشرية وهي الأرض التي أسلم عليها أهلها, فإنها تكون كأموال المسلمين ملكا لهم, يملكون رقبتها ومنفعتها وارض جزيرة العرب, وأما أن تكون خراجية فتحت حربا أو صلحا ما عدا جزيرة العرب, فالأرض بمنزلة المال تعتبر غنيمة أحلها الله تعالى للمسلمين, والدليل على أنها كسائر الأموال أي غنيمة للمسلمين, ما روي عن  حفص بن غياث عن أبي ذئب عن الزهري قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه, فإنها فيء للمسلمين, لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون).

والأرض التي لم يسلم أهلها عليها وفتحها المسلمون صلحا أو حربا تكون ملكا لجميع المسلمين إلى يوم القيامة, والخليفة يملك منفعتها للناس, وهذا ما جرى عليه خلفاء المسلمين طيلة عهود الدولة الإسلامية, من زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فهذا الحكم خرج به عمر بعد أن حصل خلاف بينه وبين بلال والزبير رضي الله عنهما, فالزبير رأى في أرض مصر لما فتحت أن تكون كالأموال المنقولة تقسم على المحاربين, ولكن عمر أبى ذلك حين كتب له عمرو بن العاص فأجابه عمر:( أن دعها حتى يغزو منها حبلُ الحِبلة) أي أن تكون ملكا للمسلمين ما تناسلوا, وبلال رضي الله عنه رأى ما رآه الزبير في أرض العراق، فكتب إليه واليها سعد،فأجابه عمر: ( وأترك الأرضيين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين, فإنا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء)، وقد كانت حجة عمر في ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ....} الحشر6

فإن الله قد قال: {... فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ...}الحشر7
ثم قال: (للفقراء والمهاجرين)، ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم, فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ... }الحشر9، فهذا للأنصار خاصة, ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم, فقال سبحانه{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ...}الحشر10،  فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم, فقد صار الفيء بين هؤلاء جميعا, فهذا دليل عمر وكان الأقوى.

إلا أنه رضي الله عنه قد أستشار المسلمين فاختلفوا فأرسل إلى عشرة من الأنصار ,خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم, وكان مما قاله لهم: (وقد رأيت أن أحبس أرضين بعلوجها وأضع فيها الخراج وفي رقابهم الجزية يؤدونها , فتكون فيئا للمسلمين المقاتلة والذرية من بعدهم, أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها, أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر, لا بد لها أن تشحن بالجيوش, وإدرار العطاء لهم, فمن أين يعطي هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟)، فقالوا جميعا الرأي رأيك فنعم ما قلت وما رأيت.

فاستشهاد عمر بالآية وبعلة إبقاء الأرض بأنها غلة دائمة لبيت المال, استشهاد بالدليل الأقوى, ولذلك كانت الأرض التي تفتح فتحا أرضا خراجية تبقى رقبتها ملكا لبيت المال وينتفع أهلها بها, وهذا الحكم سواء فتحت حربا كأرض العراق أو فتحت صلحا كمدينة بيت المقدس.

أما إذا فتحت الأرض على خرج معلوم, فيجب على الدولة أن تعاملهم على ما  صولحوا عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنكم لعلكم تقاتلون قوما فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم, ويصالحونكم على صلح, فلا تأخذوا منه فوق ذلك, فإنه لا يحل لكم)، هذا ان اشترطوا في عقد الصلح شرطا منصوصا عنه في الأرض, أما إذا لم يشترطوا، كما حصل في بيت المقدس, فإنها تعامل معاملة الأرض المفتوحة عنوة, لأنها تكون فيئا للمسلمين, وهذا كله في غير جزيرة العرب.

أما جزيرة العرب فلها وضع خاص فأرضها جميعها عشرية, فالرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة وترك أرضها لأهلها, ولم يضرب عليها الخراج, لأن الخراج على الأرض بمنزلة الجزية على الرؤوس, فلم يثبت في جزيرة العرب, كما لم تثبت الجزية في رقابهم, لأن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام  أو السيف, يقول الله تعالى: (تقاتلونهم أو يسلمون)، ولذلك كانت أرضهم عشرية لا خراجية.

أما بالنسبة للأرض العشرية, فقد جعل عليها العشر وهو بمعنى الزكاة, والزكاة واجبة على المسلم ولكنها هنا واجبة في غلة الأرض, ولذلك تؤخذ بحسب الأرض لا بحسب مالكها, فإن ملك الكافر أرضا عشرية أخذ منه  الخراج , لأن صفة الأرض عشرية, ولا تعتبر زكاة من الكافر, لأنه لا تؤخذ من الكافر زكاة, لأن شرطها الإسلام.

وأما كون الأرض العشرية والخراجية يحق تبادلها, وتورث عن مالكها, فلأنها ملك  لمالكها أي ملك مال من أمواله, فتنطبق عليها جميع أحكام التملك, فالأرض الخراجية والأرض العشرية لا فرق بينهما إلا في أمرين اثنين:

أحدهما: بالنسبة لعين ما يملك, فإن مالك الأرض العشرية يملك رقبتها ومنفعتها, ومالك الأرض الخراجية يملك منفعتها فقط ولا يملك رقبتها, فإذا أراد مالك الأرض العشرية أن يوقف أرضه قبلت الدولة ذلك، لأنه يملك رقبتها, أما إذا أراد مالك الأرض الخراجية أن يوقف أرضه فلن يقبل منه لأنه لا يملك رقبتها أي لا يملك عينها, وإنما يملك منفعتها ورقبتها مملوكة لبيت المال.

أما الأمر الثاني الذي تختلف به الأرض العشرية عن الخراجية  فهو: ما يجب على الأرض العشرية فهو ما يجب على الأرض العشرية فهو العشر, أي تجب فيها الزكاة على عين الخارج إذا بلغ النصاب.

وأما الأرض الخراجية, فيجب فيها الخراج أي المقدار الذي تعينه الدولة سنويا عليها, سواء زرعت أم لم تزرع, أنبتت أم لم تنبت, فأحكام الأرض الخراجية والأرض العشرية لا اختلاف في أحكامها إلا في هذين الأمرين, ولهذا يحق لمالكها إجراء العقود والتصرفات والتوريث .

وإلى حلقة قادمة ومادة أخرى من مواد النظام الاقتصادي في الإسلام نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله .   


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو الصادق

إقرأ المزيد...

خطبة جمعة حيثما يكون الشرع تكون المصلحة

  • نشر في منبر الدروس والخطب
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2134 مرات

 

الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، الحمد لله الذي جعل الليل والنهار آيتين فمحى آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة لنبتغي فضلاً من ربنا، ولنعلم عدد السنين والحساب وكل شيء فصله تفصيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم فصلّ عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً... أما بعد،

قال الله تعالى في كتابه العزيز مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (107الأنبياء) وكونه قد جاء رحمة لهم، يعني أنه جاء بما فيه مصلحتهم، قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل89) وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)،(57 يونس) فالهدى والرحمة هي إما جلب منفعة للناس، أو دفع مضرة عنهم وهذه هي المصلحة، لأن المصالح هي جلب المنافع ودفع المفاسد. وتحديد الشيء من كونه مصلحة أو ليس مصلحة، إنما يكون للشرع وحده، لأنه هو الذي جاء بالمصلحة، وهو الذي يحدد هذه المصلحة للناس. ومن هنا وجب ألا يُترك للعقل أن يقرر ما هي المصلحة، بل يجب أن يقرر ذلك الله تعالى وحده، لأنه هو الذي يقرر المصلحة الحقيقية والمفسدة الحقيقية، ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك14)، والعقل إنما يفهم واقع الشيء كما هو فهماً تاماً، ثم يفهم النص الشرعي الذي جاء في هذا  الشيء، ثم يطبق النص على الواقع، فإذا انطبق عليه كان مصلحة أو مفسدة حسب نص الشرع، وإن لم ينطبق عليه بحث عن المعنى الذي ينطبق على الواقع حتى يعرف المصلحة التي قررها الشرع بمعرفة حكم الله في ذلك الشيء.

أيها المسلمون: إن اسمنا الذي سمانا به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، إسم له معنى عظيم، وهو أننا أسلمنا شأننا وأمرنا لله سبحانه وتعالى، وهو وحده المستحق للعبودية والحمد والثناء، فهو العليم بنا وهو أحكم الحاكمين قال تعالى: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) (8 التين) أما نحن معشر البشر، فعاجزون، لأن بصرنا محدود وسمعنا محدود، وعقلنا محدود، وقوتنا في كل شيء محدودة، لذلك إذا تُرك لنا تحديد المصلحة أو المفسدة لا نستطيع الوصول إلى المصلحة الحقيقية أو المفسدة الحقيقية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيط بكنه نفسه وحقيقتها، كذلك إذا ترك لنا تحديد المصلحة أو المفسدة، فإنه يمكننا أن نظن ظناً أن هذا مصلحة أو مفسدة ولا نستطيع أن نجزم بذلك، وترك التحديد للمصالح والمفاسد للظن سيؤدي بنا إلى المهالك، كما نرى الآن ماتقع فيه البشرية من مهالك، مثل الربا الذي دمّر اقتصادات دول العالم بالغرق فيه، وهم يظنون أن في الربا مصلحة مع أنه مفسدة عظيمة، وها هم اليهود عندما حرم الله سبحانه الربا قالو إنما البيع مثل الربا، فهم بنظرهم القاصر اعتبروا النقود مثل السلع، فأرادوا أن يربحوا من النقود مثل مايربحون من السلع، فلم يعملوا ولم يرضوا بحكم الله سبحانه لأنهم اهتموا بالمصلحة الفردية ولم يهتموا بمصحلة الجماعة، مع أنها تدمر مصالح الفرد والجماعة، وكان الدمار لأنهم حكموا على شريعة الله بعقلهم القاصر.

أيها المسلمون: إن الإسلام عندما يشرّع حكماً للإنسان يشرعه لمصلحة الإنسان على أن لا يضر بالمجتمع بل معالجة لإنسان بوصفه فردا في مجتمع وهذا لا يتوصل إليه إلا من كان  له مقاييس غير محدودة وليس الإنسان الذي يضل طريقه بأدنى شيء يعترضه، ولذلك عندما صار الكفار اليهود وغيرهم يتعاملون بالربا شقوا وأشقوا غيرهم، وما زلنا نجد ونسمع أن هناك أحداً أفلس وباع بيته وممتلكاته لأنه تعامل بالربا، وعليه فإن ترك الإنسان يظن أن هذا مصلحة يوقعه في المهالك فيعتبر المصلحة مفسدة والمفسدة مصلحة وهكذا. لذلك المولى سبحانه رحمة بنا لم يضيعنا بل هدانا لشريعة الإسلام ببعثه الحبيب محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم قال تعالى: (ثمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (18 الجاثية) وقد بين الشرع أنه يجب عل الناس أن يحتكموا إليه سبحانه فلا يجعلوا آراءهم وأهواءهم مقدمة على شريعة الله سبحانه قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (65النساء) ، وقال: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (50 المائدة) ‌ وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (1 الحجرات) .

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :

أيها المسلمون: إن العبودية لله لا تكون إلا بإدراك أن المصلحة لا تكون إلا في شرعه سبحانه فالمصلحة حصرياً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومهما ظن الناس بعقولهم أن في الشيء مصلحة ونهاهم الشرع عنه، فلا بد أن يكفروا بأهوائهم وأن يؤمنوا بربهم كما فعل الصحابة الكرام عندما سألوا عن الخمر والميسر فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (219البقرة). فماذا فعلوا عندما حرمت عليهم أتلفوها بأن سكبوها ولم يفكروا في ضياع المصلحة التي قد ارتأوها مثل بيع الخمر للاستفادة من ثمنها، بل أبادوها.

          أيها المسلمون: إن الذي قلب حياتنا رأساً على عقب وجعل الحزن والتعاسة يدخلان علينا هو قلب مفاهيمنا عن الحياة، فالقاعدة الشرعية هي: (حيثما يكون الشرع تكون المصلحة)، لأن الشرع هو المصلحة، وليست القاعدة حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله، فهذه تجعل العقل أساساً وليس شريعة الإسلام التي شملت أحكامها كل الحياة وما تركت أمراً إلا وحكمت عليه ليستنير الناس طريقهم ولا يضلوا، وقد أكد الشرع على وجوب التزام هذا الطريق فقال سبحانه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153 الأنعام) وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (36 الأحزاب)، وقال سبحانه: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (68 القصص).

          أيها المسلمون: لقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في طاعتهم لله فقد روى البخاري (عن ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتِ الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ فَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقُلْنَا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ حَرَّمَهَا الْبَتَّةَ وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَرَّمَهَا الْبَتَّةَ) وأخرج الإمام أحمد (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ كُنَّا نُحَاقِلُ بِالْأَرْضِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُكْرِيهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى فَجَاءَنَا ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلٌ مِنْ عُمُومَتِي فَقَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا). فهؤلاء الصحابة كفئوا القدور ولم يهتموا بما أعدوه من طعام لحرمتها، ولم يراجعوا مع أن الحمر الأهلية حرام والحمر الوحشية حلال، وكذلك هذا الصحابي الجليل يبين أنهم كانوا يستفيدون من هذا المال قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا).

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع