الجمعة، 13 رجب 1447هـ| 2026/01/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
مفارقة الجنسية: كيف تتحوّل أدمغتنا إلى رصيد فرنسي؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مفارقة الجنسية: كيف تتحوّل أدمغتنا إلى رصيد فرنسي؟!

 

 

الخبر:

 

تُظهر الإحصاءات الفرنسية الأخيرة المتعلقة بالحصول على الجنسية الفرنسية تميز التونسيين، حيث حصل 7052 تونسياً على الجنسية عام 2024، مسجلين زيادة بنسبة 13,9٪ مقارنة بالعام السابق.

 

كما تؤكد بيانات تصاريح الإقامة استمرار تزايد التونسيين في فرنسا، حيث سُجل أكثر من 304.000 تصريح إقامة صالح أو مؤقت عام 2024، بارتفاع 4,9٪ عن سابقه، متفوقاً على معظم الجنسيات الأخرى.

 

تمثل هذه النسبة أعلى نمو بين دول المغرب العربي، متجاوزة المغرب (+8,7٪) والجزائر (+5,2٪)، رغم أن تونس تأتي ثالثة من حيث العدد الكلي بعد المغرب (14.454) والجزائر (12.002). كما بلغ مجموع الحصول على الجنسية الفرنسية بين دول المغرب العربي نحو 33007 شخص في 2024، أي حوالي ثلث الإجمالي السنوي لجميع الجنسيات، مع تميز التونسيين بأعلى ديناميكية مقارنة بتركيا (+2,5٪)، وساحل العاج (+11,8٪)، والسنغال (+9,8٪).

 

النسبة الدقيقة للأطفال من أصول مغاربية فقط ليست جزءاً من البيانات الرسمية الأساسية المنشورة حديثاً، لكن بعض التقديرات غير الرسمية تضعها في حدود حوالي 16% من الأطفال الصغار.

 

التعليق:

 

هذا الخبر رغم أهميته ومؤشراته الخطيرة، إلا أنّه مرّ إعلاميا كغيره، عدا بعض الصفحات التي تناولت الأرقام ليس من زاوية الإحصاء فقط، بل بالإشادة بالتميز والتفوق التونسي في عدد المغادرين للبلاد إلى فرنسا "الجنّة الموعودة"!

 

شروط منح الجنسية

 

تشهد فرنسا تشديداً في شروط منح الجنسية، مع تركيز على إتقان اللغة الفرنسية بمستوى B1، واجتياز امتحان القيم الجمهورية، وإثبات الاندماج المهني والمجتمعي. يعتبر المهاجرون من المغرب العربي (الجزائر والمغرب وتونس) من أكبر الجاليات، ويتبع معظمهم المسار الشائع المتمثل في "التجنس عن طريق الإقامة"، والذي يشترط إقامة قانونية لمدة 5 سنوات (قد تُختصر لسنتين لخرّيجي الجامعات الفرنسية أو ذوي المساهمات الاستثنائية)، إلى جانب إثبات الاستقرار المالي وسجل عدلي نظيف وارتباط فعلي بفرنسا.

 

من أبرز أسباب الرفض ضعف مستوى اللغة الفرنسية، وعدم الاستقرار المهني، أو وجود سوابق عدلية، والاعتماد المفرط على المساعدات الإنسانية، أو أي سلوك يُنظر إليه على أنه مناهض للقيم الفرنسية. يمكن تقديم الطلب مرة أخرى بعد سنتين أو بعد معالجة أسباب الرفض. هناك مساران آخران هما التجنس عن طريق الزواج (بعد 4 سنوات من الزواج مع شروط مشابهة) والتجنس تلقائياً بالميلاد أو النشأة في فرنسا لأبوين أجنبيين.

 

ماذا تعني هذه الأرقام لفرنسا ديموغرافياً وسياسياً؟

 

تواجه فرنسا تحدياً ديموغرافياً بنيوياً يتمثل في شيخوخة السكان وانخفاض الخصوبة، ما يخلق حاجة ماسّة لليد العاملة الشابة ودافعي الضرائب، وهنا يأتي الدور الحيوي للمهاجرين من أصل مغاربي كأكبر كتلة غير أوروبية مستقرة. من المتوقع ديموغرافياً أن يشكل ذوو الأصول غير الأوروبية نسبة كبيرة من الشباب والأطفال في المناطق الحضرية بحلول عام 2035، مع كون المنحدرين من أصول مغاربية في صلب هذه التحولات. ومع دخول الأجيال الثانية والثالثة سن التصويت وسوق العمل بقوة بين عامي 2035 و2045، ستتشكل كتلة انتخابية ومجتمعية جديدة ستُعيد بالضرورة تشكيل المشهد السياسي وتطرح أسئلة عميقة حول الهوية الوطنية الفرنسية التقليدية.

 

هذا يفسر التناقض الفرنسي الواضح: السعي للاستفادة من التجديد الديموغرافي والاقتصادي الذي يوفره المهاجرون، مع الخوف المتزامن من تغير الهوية الثقافية وصعود "إسلام فرنسي" غير خاضع للنموذج الجمهوري. ونتيجة لذلك، تنتهج الدولة سياسة مركبة تجمع بين الدمج الاقتصادي الانتقائي عبر تشديد قواعد التجنس، وكبح التعبير الثقافي المختلف تحت شعار "القيم الجمهورية". مستقبلياً، تُرجح السيناريوهات بين استمرار الاحتواء الناعم للمجموعات المغاربية ضمن هوية فرنسية أحادية معدلة، أو التصادم في حال الأزمات الاقتصادية، أو إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أساس الاعتراف بالتعددية وهو مسار عصيب حالياً، ويفرضه واقع ديموغرافي جديد تتعامل معه النخبة الفرنسية من منطق الخوف، ما يجعل المعركة الحقيقية مستقبلاً هي معركة تعريف الهوية الفرنسية نفسها.

 

الهجرة والنزيف الصامت لكفاياتنا

 

يؤسس التحول الديموغرافي في فرنسا، القائم على الحاجة الهيكلية لدمج مهاجرين مغاربيين، لواقع جديد لدول المغرب العربي يمتد تأثيره حتى منتصف القرن. فالهجرة تحولت من خيار مؤقت إلى بنية دائمة تورث عبر الأجيال، وتتجلى في نزيف صامت للكفايات والطبقة الوسطى، حيث تُفرغ الدول من عقولها الحيوية في الإدارة والطب والبحث، فتُدار دولها بنخب أقل كفاية من أبنائها الناجحين في الخارج. اقتصادياً، رغم استقرار التحويلات المالية، فإنها تتحول لوسادة اجتماعية تعوض عن غياب إصلاحات حقيقية، في مفارقة قاتلة تجعل فرنسا تستفيد من تعليم لم تدفع ثمنه، بينما تخسر بلدان المنشأ أجيالا دون تعويض أو تفاوض استراتيجي.

 

الأعمق هو فقدان السيادة الرمزية؛ حيث تُعاد صياغة هويتنا وتاريخنا وإسلامنا عبر المنظور الفرنسي الإعلامي والأكاديمي، بينما تفقد الدول الأصلية السيطرة على سرديتها وقدرتها على حماية جالياتها ثقافياً. ما يرجح استمرار السيناريو السلبي القائم على التبعية الناعمة، ما لم تتبن هذه الدول سياسات بديلة تربط الجاليات بالمشاريع داخل بلادهم وتتفاوض من خلالهم ككتلة بشرية ذات وزن.

 

الخطر الاستراتيجي إذاً، لا يكمن في ذهاب الأفراد، بل في ذهاب مستقبلنا التنموي والسيادي دون رجعة!!!

 

تونس من فتوى المقاومة إلى هجرة الاستسلام

 

في مطلع القرن العشرين، وقف علماء تونس وعلى رأسهم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور والشيخ محمد النخلي وعلماء الزيتونة، في وجه السياسة الاستعمارية الفرنسية التي سعت إلى تفكيك الأمة عبر التجنيس، فأصدروا فتوى واضحة اعتبرت المتجنس الفرنسي خارجاً عن الجماعة السياسية الإسلامية، ليس تكفيراً عقدياً بل قطعاً للولاء القانوني والسيادي. كانت هذه الفتوى في سياقها التاريخي فعلاً سيادياً ووسيلة دفاعية لرفع كلفة الاندماج في المشروع الاستعماري، وتعزيز التماسك المجتمعي والهوية الجماعية في مواجهة أداة استعمارية هدفت لكسر إرادة المجتمع.

 

أما اليوم، فقد انقلب السياق رأساً على عقب؛ ففي ظل غياب الاحتلال العسكري المباشر، حلّت تبعية اقتصادية وهشاشة سيادية، وتحول التجنيس من قضية جماعية تمس الهوية إلى استراتيجية بقاء فردية، في غياب الحماية والمشروع الجاذب في بلادنا، ففقدت الفتوى أرضيتها السياسية والمجتمعية... زمن كانت الفتوى فيه سلاح مقاومة جماعية، وزمن أصبح الخروج الفردي فيه الحل الوحيد أمام غياب الدولة الحامية وإعلام يُطبّل ليلا ونهارا للاستعمار ومشاريعه في بلادنا!

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسين بن يحيى

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع