- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-28
جريدة الراية: رؤية أمريكا الاستراتيجية للبلاد الإسلامية
من منظور الطاقة
(مترجم)
إن فهم التغيرات والتفاصيل الدقيقة في رؤية أمريكا الاستراتيجية للبلاد الإسلامية أمر بالغ الأهمية لمن يوجهون السياسات ويصنعون الرأي العام في البلاد الاسلامية. وإضافة إلى ذلك، هناك تحولات مهمة حدثت مؤخراً بفعل سياسة ترامب "أمريكا أولاً". فترامب ينقل عبء القيام بدور شرطي العالم لتأمين مصالح أمريكا إلى تكتلات إقليمية من بلادنا، ولا سيما بعد الضربات التي استهدفت قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط.
أمريكا دولة استعمارية بامتياز، لا تقل في شرها وقسوتها عن الدول الاستعمارية الأوروبية. ومنذ خروجها منتصرة من الحرب العالمية الثانية، وفي وضع أفضل بكثير من حلفائها الأوروبيين، أرادت أن تجعل دول العالم تابعة لها، أو خاضعة لإرادتها، ومطيعة لأوامرها، وألا تحيد عن خططها. وقد اتبعت في ذلك النهج الذي اتبعه جيلها المؤسس عندما غزا أمريكا الشمالية، وأقام هيمنته على جماجم السكان الأصليين وعظامهم، أولئك الذين شيطنتهم هوليوود وصورتهم على أنهم "هنود حمر" يحملون فؤوس التوماهوك.
خدع المحتلون الغربيون السكان الأصليين بالمعاهدات السياسية، وخنقوهم بالحصار الاقتصادي، وذبحوا أعداداً هائلة منهم باستخدام أساليب حرب الأرض المحروقة. وتشجع الأمريكيون بنجاحهم ضد السكان الأصليين، فاتخذوا مبدأ مونرو غطاء لاستخدام أساليبهم الوحشية ضد شعوب أمريكا الوسطى والجنوبية، تمهيداً لإطلاق شرهم على شعوب العالم بأسره.
وإن الوضع البائس الذي يعيشه السكان الأصليون اليوم في محمياتهم هو تحذير قاتم لأي شعب في العالم ينخدع بالابتسامات الماكرة والوعود الجوفاء للأمريكيين. فالنخبة الرأسمالية الأمريكية لا ترى عائقاً أخلاقياً يمنعها من حرمان الشعوب من الثروات الموجودة تحت أقدامها.
السيطرة على موارد الطاقة وطرقها البحرية
ومن الأهمية بمكان أن الدولة العميقة في أمريكا، سعت إلى السيطرة على موارد الطاقة العالمية وطرقها البحرية الحيوية، حتى إن أحد دوافعها لدخول الحرب العالمية الثانية كان انتزاع منطقة نفط الخليج من بريطانيا. ومع تصاعد الصراع البريطاني الأمريكي على السيطرة على نفط المسلمين، نشر مقال مهم لإدوارد لوتواك الاستراتيجي الأمريكي وكاتب الكتاب المشهور (الانقلاب: دليل عملي (Coup d'État: A Practical Handbook)). ففي آذار/مارس 1975، وفي مقال بعنوان "الاستيلاء على النفط العربي"، نشرته مجلة هاربرز تحت الاسم اللاتيني المستعار "مايلز إغنوتوس"، الذي يعني الجندي المجهول، أثار لوتواك أطماع أمريكا في كنز نفط الخليج، لتوجيه رؤية أمريكا الاستراتيجية للبلاد الإسلامية. وتحدث عن ضرورة كسر قوة التكتل النفطي، وقال بصراحة: "إن احتلالاً يدوم عشر سنوات، وربما أقل من ذلك بكثير، سيكون كافياً. فبمجرد أن يهدأ غبار الغزو، وتظهر جميع الدلائل على نية البقاء الدائم، سيعود بقية أعضاء أوبك إلى رشدهم، ويقبلون التزاماً ملزماً بالحفاظ على الإمدادات بأسعار متفق عليها، مقابل الانسحاب الأمريكي".
ومن الطبيعي أن يثير ذلك قلق بريطانيا إذ كانت قد نجحت منذ عام 1960 باستغلال أوبك للسيطرة على قطاع النفط، بما يشمل الإنتاج والتسويق والتسعير. لكن أمريكا نجحت في ربط النفط بالدولار وجعل الدولار العملة الرئيسية. ولم تكتف بذلك بل سعت إلى بلوغ مرحلة تخضع فيها الآخرين ليصبحوا عملاء لها. وسارت في هذا الطريق حتى وصلت في عهد جورج بوش الابن إلى اجتياح البلاد الإسلامية لإعادة استعمارها عسكرياً، بعد عقود من انسحاب جيوش فرنسا وبريطانيا.
فمن المنظور الضيق لمعادلة الطاقة في دول الخليج، تشكل سيطرة أمريكا على أفغانستان وباكستان حاجزاً أمام نفوذ روسيا والصين فيهما. ولذلك غزت أفغانستان عام 2001 واحتلتها، وجلبت معها حلف شمال الأطلسي. ومن المنظور الأوسع للسيطرة على الشرق الأوسط، يشكل العراق جزءاً رئيسياً من بلاد الرافدين ذات الأهمية الاستراتيجية التاريخية. ولذلك احتلته عام 2003. بل سعت لنشر قوات من باكستان، لكن أهل الإسلام الأخيار فيها حالوا دون ذلك.
التحول من التدخل المباشر إلى استغلال جيوش المنطقة
إن التعامل مع المسلمين ليس كالتعامل مع السكان الأصليين لأمريكا، أو مع أمريكا الوسطى والجنوبية، بما فيها دولها الكبرى مثل فنزويلا. فقد صدمت أمريكا عندما ألحق بها مسلمو أفغانستان والعراق خسائر فادحة، وأجبروها على الاعتماد بدرجة أكبر على عملائها وأتباعها الإقليميين. وبعد الخسائر الاقتصادية الهائلة في أفغانستان والعراق، التي تجاوزت خمسة تريليونات دولار، والخسائر العسكرية الكبيرة، أدركت أمريكا أنه ليس من مصلحتها الانخراط المباشر في الحروب. ومن ثم ركزت على التحالفات مع حكام المسلمين لتستفيد من جيوشهم استفادة كاملة. ولكن لا يريد ترامب المشاركة في حروب واسعة النطاق ضد المسلمين، وقد تعلم درسا مؤلماً بعدما وقع في مستنقع إيران، بعد أن ظن أن الأمر سيكون نزهة كما في فنزويلا.
ومع ذلك، وبصرف النظر عن سوء تقديره الكارثي بشأن إيران، تؤكد استراتيجيته للأمن القومي التزام أمريكا بعدم خوض أية حروب واسعة النطاق أو مباشرة في الشرق الأوسط. وقد أعادت استراتيجية الأمن القومي، الصادرة يوم الجمعة 2025/12/5، تأكيد مصالح أمريكا المتعلقة بالخليج الغني بالنفط، والطرق البحرية الحيوية في بلاد المسلمين، وقاعدتها العسكرية المتقدمة في بلادنا، أي كيان يهود. وجاء فيها: "ستظل لأمريكا دائماً مصالح أساسية في ضمان ألا تقع إمدادات الطاقة الخليجية في أيدي عدو لدود، وأن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يظل البحر الأحمر صالحاً للملاحة، وألا تكون المنطقة حاضنة للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الأراضي الأمريكية أو مصدرة له، وأن تظل إسرائيل آمنة". ومن اللافت للنظر أن هذ الاستراتيجية أكدت الالتزام بعدم خوض حروب مباشرة تستنزف جيش أمريكا، إذ جاء فيها: "يمكننا، ويجب علينا، مواجهة هذا التهديد فكرياً وعسكرياً، دون خوض عقود من حروب بناء الدول العقيمة". وهكذا أرست الأساس لاستغلال جيوشنا من خلال التحالفات، بقولها: "لدينا أيضاً مصلحة واضحة في توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل مزيداً من دول المنطقة، ودولاً أخرى في البلاد الإسلامية".
وفي هذا السياق، ينسج ترامب بصورة محمومة شبكة من التحالفات لربط جميع عملائه وأتباعه بقوة برؤية أمريكا الاستراتيجية، سواء عبر "مجلس السلام"، الذي وُقّع عليه في 2026/01/22، أو اتفاق مكة للدفاع المشترك في 2026/8/7. وهكذا، ستحرم أمريكا المسلمين من ثروات بلادهم، باستخدام جيوشهم وأسلحتهم ضدهم؛ وهو إنجاز مهين لم تتمكن حتى من تحقيقه ضد السكان الأصليين لأمريكا!
أيها المسلمون، ويا جيوشهم:
لقد حذّرنا الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. لقد أفقرنا الاستعمار الأمريكي، مع أن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بوفرة من أثمن الموارد.
ومن منظور الطاقة، لم ننعم بالنفط وحده، بل نمتلك أيضاً وفرة من العناصر الأرضية النادرة، التي تمثل العمود الفقري للطاقة الكهربائية. فمحركات المركبات الكهربائية تعتمد بدرجة كبيرة على مغناطيسات دائمة قوية مصنوعة من النيوديميوم والديسبروسيوم والبراسيوديميوم والتيربيوم. ويستخدم اللانثانوم واللانثانيدات المرتبطة به في تقنيات محددة للبطاريات وتخزين الهيدروجين، بينما تعتمد الكيمياء الأساسية للبطاريات على الليثيوم. كما يستخدم الإيتريوم واللانثانوم والسيريوم في المكثفات الخزفية والمستشعرات الداخلية في عواكس الطاقة الشمسية. ومع ذلك، ورغم جميع ثرواتنا، فإن السماح للحكام الحاليين بالاستمرار في نهجهم الراهن يعني أننا نتجه إلى مصير شبيه بمصير سكان أمريكا الأصليين، فنعيش في فقر شديد ومهانة، بينما ينهبنا المستعمرون ويهيمنون على شؤوننا. لكننا نواجه أيضاً إذلالاً إضافياً يتمثل في خدمة جنودنا أنفسهم مصالح أعدائنا من خلال التحالفات.
ألم يحن الوقت لنقوم بما أوجبه الله علينا، ونصل ليلنا بنهارنا في الدعوة إلى الإسلام؟ ألم يحن الوقت لنعمل مع حزب التحرير لإقامة الخلافة على منهاج النبوة؟ ألم يحن الوقت لنطالب جيوشنا باقتلاع الحكام الحاليين وإعطاء النصرة للعالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، ومبايعته خليفة يقود الأمة الإسلامية في ملحمة قطع دابر الاستعمار الغربي من بلادنا.
بقلم: الأستاذ مصعب عمير – ولاية باكستان
المصدر: جريدة الراية



