- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-28
جريدة الراية: البحر الأحمر وحلقة النار
تتزامن التطورات العسكرية في اليمن مع تصاعد الصراعات الداخلية والتوترات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا، في وقت تشهد فيه إريتريا والسودان والقرن الأفريقي بدورهما تحولات أمنية وسياسية متسارعة. وقد تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، محكومة بدينامياته الداخلية وبحدوده القطرية. لكن الاقتراب من هذه الأزمات بوصفها ملفات منفصلة يحجب جانباً مهماً من الصورة.
فمع توسيع زاوية النظر إلى ما وراء الحدود الاستعمارية، يظهر البحر الأحمر ومضيق باب المندب بوصفهما مساحة تتقاطع عندها هذه الأزمات، لا مجرد فاصل جغرافي بينها. فما يجري في اليمن يمكن أن يعيد تشكيل حسابات القوى على الضفة الأفريقية، فيما يمكن للتوترات الممتدة من القرن الأفريقي إلى السودان وإثيوبيا وإريتريا أن تؤثر بدورها في البيئة الأمنية والاستراتيجية المحيطة باليمن. ومن هذه الزاوية، لا تبدو التحركات العسكرية والصراعات السياسية على ضفتي البحر الأحمر أزمات متجاورة بقدر ما تبدو أجزاءً من مسرح استراتيجي مترابط، تنتقل فيه تداعيات الصراع من ساحة إلى أخرى عبر الممرات البحرية، وشبكات النفوذ، وحسابات القوى الإقليمية والدولية، ومخططات كيان يهود. وقد كان متوقعا أن يصل لهيب الاستنزاف الاستراتيجي بعد مضيق هرمز إلى باب المندب.
عند هذه النقطة، يصبح البحر الأحمر أحد المفاتيح التي تسمح بقراءة هذه الأزمات ضمن سياق إقليمي واحد. فالمعركة على أحد شاطئيه قد تغيّر حسابات القوى على الشاطئ المقابل، وقد يتحول اضطراب موضعي داخل حدود دولة واحدة إلى عامل ضغط يعيد ترتيب التوازنات في الإقليم بأكمله.
وهذا هو المعنى الدقيق لما سماه معهد ADWA للدراسات الدفاعية والاستخبارية والاستراتيجية "حلقة النار": منظومة بحرية يؤدي فيها عدم الاستقرار على أحد الشواطئ إلى تغيير القيمة الاستراتيجية للشاطئ المقابل. فَتَحْتَ عنوان "إثيوبيا داخل حلقة النار واضطراب البحر الأحمر"، وضعت دراسة المعهد الصادرة في أيلول/سبتمبر 2026 البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي ضمن مسرح أمني واحد يمتد من قناة السويس إلى باب المندب ثم خليج عدن.
وما يجري اليوم يؤكد هذه الرؤية بصورة تكاد تكون تطبيقاً حياً لها. ففي اليمن تمكن الحوثيون من توسيع وجودهم على الساحل الغربي والوصول إلى منطقة باب المندب، فأصبح المضيق، الذي كان في الأصل ممراً دولياً، ورقة عسكرية وسياسية في يد وكيل إقليمي محسوب على إيران. ولم يعد الأمر متعلقاً بالحرب اليمنية وحدها، إذ إن اضطراب مضيق هرمز جعل باب المندب أكثر أهمية بالنسبة للسعودية والتجارة الدولية، ولذلك تستعد الرياض لعملية عسكرية قد تتجاوز باب المندب وتعز، في وقت تحاول فيه الاستفادة من اتفاقية مكة، فضلا عن استجداء مساعدات أمريكا.
وهنا تكمن المسألة الاستراتيجية الأهم: ليس بالضرورة أن يكون هدف أمريكا هو القضاء على الحوثيين الذين انكشفوا على الساحل وتعهدوا بعدم استهداف سفنها وسفن كيان يهود، وإنما تحصين المنطقة من تدخل القوى المنافسة، ومنع أي طرف من امتلاك قدرة موثوقة على تحويل نقطة اختناق بحرية إلى أداة ابتزاز إقليمي ودولي، أي منع تكرار سيناريو مضيق هرمز. ولهذا فإن حضور أمريكا البحري المتكرر في البحر الأحمر وحتى بحر العرب، من حاملات الطائرات والمدمرات وسائر القطع القتالية، لا ينبغي قراءته باعتباره استعداداً للحرب فقط، بل باعتباره أيضاً رسالة ردع مفادها: لا ينبغي أن تصبح نقاط الاختناق ملكاً استراتيجياً حصرياً لأي قوة إقليمية. لكن السيطرة على البحر لا تبدأ من البحر دائماً. وهذه هي النقطة التي تجعل الضفة الأفريقية شديدة الأهمية.
ففي إثيوبيا تتزامن عودة القتال في تيغراي مع صراعات أمهرة وعفار، ومع تشكل تحالفات مسلحة جديدة ضد حكومة آبي أحمد، في الوقت الذي تتدهور فيه العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة. وقد أشارت تحليلات عدة إلى أن الصراع الإثيوبي لم يعد شأناً داخلياً خالصاً، إذ تتقاطع فيه حسابات إريتريا ومصر والسودان والصومال وتركيا وقوى الخليج، تهيئة لمرحلة ما بعد سقوط آبي أحمد بضوء أخضر أمريكي، فيما يرتبط جزء جوهري من التوتر برغبة إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري وتقليل اعتمادها على جيبوتي. في المقابل، أشارت دراسة حديثة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نُشرت في أيلول/سبتمبر 2026 إلى أن الصين قامت بترقيات لقاعدتها العسكرية في جيبوتي عززت قدراتها في الاتصالات وجمع المعلومات، ما يعكس تطورا واضحا للحضور الصيني في هذا المسرح.
وهنا تظهر "حلقة النار" بأوضح صورها: الحوثي الذي يتحرك على الساحل الآسيوي للبحر الأحمر يؤثر في قيمة الساحل الأفريقي المقابل، وإثيوبيا التي تبحث عن منفذ بحري لا تستطيع فصل أمنها القومي عن باب المندب، وإريتريا التي تملك ساحلاً طويلاً قبالة اليمن تصبح ذات أهمية استراتيجية تفوق وزنها الاقتصادي، ومصر التي تعتمد على قناة السويس ترى في اضطراب البحر الأحمر تهديداً مباشراً لمورد حيوي من مواردها، بينما تنظر السعودية إلى الساحل المقابل باعتباره امتداداً لأمنها الغربي. ولذلك فإن النزاعات البرية في السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال ليست بعيدة عن المعركة البحرية، بل إنها أجزاء من البنية نفسها المرتبطة بالموانئ وسلاسل الإمداد.
وبينما لا تستبعد تغذية أمريكا لهذه الصراعات حتى تستنفر أدواتها، حذرت دراسة حديثة لمجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة من تشابك الصراعات في القرن الأفريقي، ورأت أن التوترات بين إثيوبيا وإريتريا، والحرب السودانية، والتنافس المصري الإثيوبي، والصراع في الصومال، والتحركات التركية والخليجية، يمكن أن تجعل الصراع ينتقل من ساحة إلى أخرى عبر شبكة الحدود والموانئ والتحالفات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحركات الإقليمية على جانبي البحر الأحمر بصورة مختلفة. فالسعودية لا تنظر إلى اليمن باعتباره جبهة جنوبية فحسب، ومصر لا تنظر إلى السودان وإثيوبيا باعتبارهما ملفين أفريقيين منفصلين، وتركيا لا تنظر إلى الصومال باعتباره شريكاً بعيداً عن البحر الأحمر، وإريتريا لا تستطيع التعامل مع إثيوبيا بمعزل عن موقعها البحري، كما أن إثيوبيا نفسها لم تعد قادرة على النظر إلى مسألة الموانئ باعتبارها قضية اقتصادية محضة، لا سيما في ظل وجود مخططات لاقتسامها وتفكيكها كانت مطروحة على الطاولة منذ عهد إدارة بايدن.
إنها شبكة واحدة إذن تنتهي عند البحر الأحمر. ولكن لا ينبغي أيضا أن نتصور أن واشنطن تحتاج إلى إدارة كل هذه الجبهات بصورة مباشرة. يكفيها أن تمنع نشوء قوة إقليمية قادرة على الانفراد بممر أو ميناء أو مضيق، وأن تحافظ على شبكة من الوكلاء والعملاء القادرين على موازنة بعضهم بعضاً. فالسعودية قوة على الضفة العربية، ومصر قوة على الضفة الشمالية، وتركيا فاعل متصاعد في الصومال، وإريتريا دولة ساحلية ذات موقع بالغ الحساسية ويمكن استمالتها من خلال رفع بعض العقوبات، وإثيوبيا قوة برية كبرى تبحث عن منفذ بحري، بينما يبقى الوجود العسكري الأمريكي المباشر عامل الضبط الأعلى لهذه المنظومة.
هذه السياسة تحمل بلا شك خطراً بالغاً على الدول التي تعتمد عليها. فمن يستعير أمنه من قوةٍ كبرى، لا يضمنه حين تتبدّل المصالح، وقد يستيقظ يوماً ليخوض حرباً لم يبنِ لها قوة، ولم يحصن لها أرضاً، ولم يملك لها قراراً. فكيف إذا كانت هذه القوة التي يستجار بها هي أمريكا عدوة الإسلام والمسلمين؟!
إن بعض الكيانات الموجودة حول البحر الأحمر تملك من الموقع والثروة والقدرات البشرية والصناعية ما يجعلها، لو أحسنت بناء قوتها، قادرة على فرض معادلات التغيير الدولي الذي يخرج البشرية من جحيم الرأسمالية، لكنها إذا بقيت أسيرة التبعية فإنها قد تصبح ساحات للصراع. وفي الحروب الكبرى، لا تحمي الخرائط حدوداً لا تحميها القوة، فما رسمه الاستعمار بالقلم يمكن أن تعيد القوة رسمه بالنار، كما علّمنا درس السودان.
أما القوة الحقيقية فلا تُبنى بالمال ولا بالسلاح، بل بفكرة حضارية تمنح الإنسان معنى وجوده. فكرة تُشكّل كيان الأمة، وتبني دولتها، وتصوغ عقيدة جيشها، وتدفعها إلى أن تسهر على أمن كل فرد فيها، وأن تجعل حماية أبنائها ومقدساتها قضيتها. ولكن من لا يملك قوة حماية وجوده، قد تلتهمه "حلقة النار" بدل أن تحمي ممراته.
بقلم: المهندس وسام الأطرش
المصدر: جريدة الراية



