الجمعة، 19 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/30م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa 

 

2026-10-28

 

جريدة الراية: سياسة أمريكا تجاه أوروبا

في ظل قاعدة "أمريكا أولا"

 

 

"تتجه أمريكا إلى إعادة تقييم انتشار قواتها العسكرية في أوروبا ومواقع تمركزها" كما ذكر ممثلها لدى حلف الناتو ماثيو ويتاكر يوم 2026/10/1. وقال: "إن المراجعة ستستند إلى سياسة أمريكا أولا". وذلك وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل وجود أمريكا العسكري في القارة وعلاقتها بحلفائها الأوروبيين.

 

وعودا إلى تاريخ هذه العلاقة، فإن أمريكا قررت عقب الحرب العالمية الثانية الخروج من عزلتها، حيث كانت تحصر أعمالها الاستعمارية في العالم الجديد، ودخول العالم القديم الذي كانت أوروبا الاستعمارية تسيطر عليه، والتي أصابها ما أصابها في هذه الحرب من دمار بفعل ما اقترفته أيديها الآثمة. وذلك لتفرض أمريكا هيمنتها عليها وعلى العالم القديم، وقد سال لعابها على ثرواته التي كانت تنهبها أوروبا، ولتحول دون سيطرة الاتحاد السوفيتي عليها.

 

فأسست الناتو وأقامت قواعد عسكرية ونشرت نحو 80 ألف جندي في أوروبا، وأطلقت مشروع مارشال للسيطرة على اقتصادها، وأدخلت شركاتها لتؤمن الهيمنة الاقتصادية والسياسية عليها.

 

سقط الاتحاد السوفيتي وزال تهديده لأوروبا، ولكن أمريكا أبقت هيمنتها عليها ولم تسقط الناتو الذي تقوده. بدأت أوروبا في العمل للتخلص من هذه الهيمنة، فأسست اتحادا، ولكنه لم يتطور لأن يصبح قوة سياسية واحدة، ذات قوة عسكرية تحميها وتنفذ سياساتها بها، وإن أرست نواة جيش أوروبي، ولكن لم تتمكن من تطويره. وبدأت تتقارب مع روسيا لتعزز اقتصادها وموقفها السياسي في مواجهة أمريكا.

 

ولضرب ذلك، قررت أمريكا إشعال الحرب بينهما. فجعلت أوكرانيا تستفز روسيا، التي بدورها قامت بغزو أوكرانيا عام 2022. وهكذا تمكنت أمريكا من توجيه ضربة قاسية لأوروبا لم تستطع أن تفيق منها حتى الآن. وحتى تنهكها وتبقيها محتاجة لها وتبقي هيمنتها عليها، قررت جعلها تقاوم روسيا وحدها، فتبنت شعار "أمريكا أولا".

 

ولهذا ورد في استراتيجيتها التي أصدرتها يوم 2025/12/5 فيما يتعلق بأوروبا التالي:

 

"تتمثل أولويات الاستراتيجية الأمريكية تجاه أوروبا:

-     بتمكين أوروبا من الاعتماد على نفسها

-     تحمل المسؤولية الأساسية في الدفاع عن نفسها

-     تحقيق الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا

-     إنهاء فكرة اعتبار الناتو تحالفا قابلا للتوسع بلا حدود

-     فتح الأسواق الأوروبية أمام السلع والخدمات الأمريكية وضمان معاملة عادلة للعمال والشركات الأمريكية.

-     ينبغي للدبلوماسية الأمريكية أن تواصل الدفاع عن الديمقراطية الحقيقية وحرية التعبير في أوروبا، لأن الدول الأوروبية لا يمكنها إصلاح نفسها، وهي غارقة في أزمة سياسية، وقد أصبح صعود الأحزاب الوطنية سببا وجيها للتفاؤل".

فهذه النقاط تؤكد أهداف أمريكا تجاه أوروبا. وفي النقطة الأخيرة تؤكد رغبتها في إبقاء هيمنتها عليها باسم إصلاحها والدفاع عن الديمقراطية فيها. وتؤكد دعمها للأحزاب القومية العنصرية وهي ديكتاتورية، لأنها تريد خلخلة الأوضاع الداخلية في دول أوروبا، وإسقاط الاتحاد الأوروبي وعملته اليورو. وذلك من دون الحاجة إلى وجود قوات أمريكية كثيرة، للتقليل من نفقاتها. وتفيد التقارير أنها تريد سحب 40 ألف جندي من أوروبا.

 

وبعد هذه الضربة القاسية التي تلقتها أوروبا، فقد بدأت بمراجعة علاقتها بأمريكا ولملمة قواها، لتعيد بناء نفسها عسكريا من دون الاعتماد على أمريكا. ولهذا أخرجت "الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي - الجاهزية لعام 2030" في آذار 2025، ورصدت 800 مليار يورو لتعزيز البنية التحتية الدفاعية الأوروبية. وألمانيا القوة الاقتصادية الأولى في الاتحاد وأحد ركائزه الرئيسية أعلنت استراتيجية أمنية في تموز 2023، وأخرى استراتيجية عسكرية في نيسان 2026، والتي تنص على جعل "الجيش الألماني أقوى جيش نظامي في أوروبا بحلول عام 2039". وبدأت تشجع الشركات الصناعية المدنية للقيام بالصناعات الحربية، واتفقت مع فرنسا على جعل القوة النووية الفرنسية قوة نووية أوروبية، وأقامت قاعدة عسكرية دائمة في دول البلطيق لمواجهة روسيا التي تطمع في الاستيلاء عليها لأنها تطوق كالينغراد الروسية.

 

وفي الوقت نفسه تخوض أمريكا لعبتها مع روسيا، فبجانب إبعادها عن أوروبا بإشعالها حرب أوكرانيا، تفرض عليها عقوبات قاسية لتخضعها لمآربها، حيث تسعى للاستحواذ على مواردها النفطية التي كانت تستفيد منها أوروبا. ولهذا أعلن رئيسها ترامب يوم 2026/10/10 أنه "اتفق مع الرئيس الروسي بوتين لتوريد كميات كبيرة من الديزل إلى الأسواق الأمريكية والعالمية". والمقصود بالعالمية، أوروبا على الأخص، حيث تضاعفت أسعار الديزل فيها كما تضاعفت في أمريكا بسبب عدوانها على إيران. فيظهر أن أمريكا ستشتري الديزل الروسي وتبيعه لأوروبا ولغيرها لتجني الأرباح الطائلة. وليس من المستبعد مستقبلا أن تشتري الغاز الروسي لتبيعه لأوروبا وهكذا. فقد خرقت العقوبات التي فرضتها على روسيا وحالت دون أوروبا أن تخرقها. فأمريكا لا تكترث بحلفائها الأوروبيين، فتجبرهم على السير معها في فرض العقوبات على روسيا، وتمنعهم من الاستيراد منها، ومن ثم تأتي لتستورد هي منها! فلا يهمها إلا مصالحها وهيمنتها، خاصة في ظل قاعدة "أمريكا أولا". فلا تعرف صديقا ولا عدوا في سبيل ذلك.

 

والمشكلة تكمن أكثر في أوروبا نفسها، إذ ركنت إلى مساعدات أمريكا وحمايتها العسكرية باسم الناتو، وما هي إلا وسائل لهيمنة أمريكا عليها. فتوجهت دولها وشعوبها للاقتصاد والرفاهية وأهملت الناحية السياسية والعسكرية. فلم تعد تخرّج سياسيين أقوياء، ولم تقدر أن تبني جيشا من أبنائها. ونظام الحكم فيها يحول دون وجود حكم قوي، إذ يعتمد على تشكيل حكومات من تحالفات أحزاب تتجاذبها مصالحها الذاتية. ولم تستطع بناء وحدتها، لأن القومية قد حفرت خنادق عميقة تحول دون ذلك. ولهذا فاتحادها الذي أقامته بين دولها التي ترفض التخلي عن هويتها القومية والاندماج في كيان سياسي واحد، هو اتحاد هش معرض للانهيار. وقد فقدت كثيرا من نفوذها العالمي ولا تستطيع إعادته. إذ كانت تعتمد على الاستعمار فتنهب ثروات الآخرين خاصة في أفريقيا وآسيا وتجعلها أسواقا لتصريف بضائعها.

 

والمشكلة تكمن أيضا في فشل المبدأ الرأسمالي في صهر شعوبه في بوتقة واحدة، فالمصلحة القومية هي الأساس، ويجري تطبيق المبدأ بحسبها، بجانب كونه مبدأ باطلا وخطيرا على البشرية.

 

ونحن لا نأسف على أوروبا، ولا نفرح بهيمنة أمريكا فكلاهما شر. فلا نريد أن نستبدل شرا بشر، ولا استعمارا باستعمار. وإنما نريد أن تعود أمتنا الإسلامية وتتبوأ مقعدها اللائق بها خير أمة أخرجت للناس لتنقذ نفسها وشعوب العالم كلها من نير الاستعمار وظلم الرأسمالية. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا أقامت خلافتها الراشدة على منهاج النبوة.

 

بقلم: الأستاذ أسعد منصور

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع