الخميس، 18 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/29م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-10-28

 

جريدة الراية: الحكم بما أنزل الله في عصرنا

شعارات مرفوعة أم مشروع قابل للتحقيق؟

 

 

هل الحكم بما أنزل الله شعار ترفعه الجماعات الإسلامية للاستهلاك ودغدغة المشاعر وحشد الأتباع حوله، أم هو مشروع عملي قابل للتطبيق؟

 

الحكم بما أنزل الله فكرة كلية لمشروع متكامل الأركان؛ فهو موصوف وصفاً دقيقاً من حيث عقيدته ودستوره وأنظمته (الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والتعليمية، والسياسية، والقضائية، والمؤسساتية). وهو ليس نبات عقول البشر، بل هو عقيدة وأحكام إلهية منزلة على رسولنا الكريم ﷺ، ليبلغها للبشرية جمعاء، ومختص بحملها والعمل بمقتضاها ووضعها موضع التنفيذ العملي، وتجسيدها في مشروع مادي هو الخلافة على منهاج النبوة، بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وهو الذي فيه إبراء لذممهم أمام الله يوم يعرضون عليه لا تخفى منهم خافية.

 

والحكم بما أنزل الله هو فكرة وطريقة، وهذان الركنان للفكرة لا يمكن أن يكونا شعاراً فارغاً إن لم يكونا مشروعاً متكاملاً، وهو ما فعله الرسول الأعظم ﷺ بعد بيعة العقبة الكبرى، والتي بعد انعقادها بينه وبين الأنصار، جُسد هذا المشروع على أرض الواقع في المدينة المنورة. ومن ثم انتقل ذاك النظام إلى صحابته الكرام، والذي سمي بالخلافة الراشدة، ومن ثم بالملك العضوض، والذي تم إلغاؤه عام 1924م على يد المجرم مصطفى كمال ومن معه من خونة العرب والترك عليهم من الله ما يستحقون.

 

هذا المشروع جسد زهاء 13 قرنا، محققاً أفضل وأجمل ما عاشته البشرية - وليس المسلمون وحدهم - لما فيه من تجسيد لمفهوم الحاكمية العادلة الحقة، التي يتساوى فيها الحاكم والمحكوم، والمسلم والذمي أمام أحكام الله.

 

والشعار هذا ليس مفرغاً ولا هو للاستهلاك التنظيمي والانتفاع المادي إلا لمن رفعه دون إدراك لمعناه، ولا متصوراً في ذهنه، ولا لمن يصعب عليه فهم نصوصه وأحكامه؛ وهو ما وقعت فيه الجماعات الإسلامية التي جعلت الواقع مصدر التفكير وقيداً حاداً لتفكيرها، بدل الانطلاق إلى فضاء الإسلام الواسع، ما جعل واقعها يدفعها إلى تقييد النصوص أو ليّ عنقها بما يساير الواقع الذي وقعوا أسرى له. وليست الجماعات وحدها التي وقعت في هذا الفخ، بل كثير أو جُل جمهرة العلماء المسلمين طوال القرن الماضي وقعوا أسرى هذا الفخ، مصداقاً لقول رسولنا ﷺ: «فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»، أي أن تطوعوا النصوص والأحكام كما فعل من سبقكم فتهلكوا فيها.

 

لذلك، انبرى الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله لهذه الفكرة العظيمة وجسدها في مشروع الدولة الإسلامية؛ سفينة النجاة لهذه الأمة والبشرية جمعاء من الفوضى العارمة التي تلطم البشر والشجر والحجر وتدمر الفطرة البشرية، والتي حذر منها المولى سبحانه في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾، والتي بغيابها ستجتمع البشرية عليكم كما تجتمع الأكلة إلى قصعتها، وتتزاحم على الأمة فتن كقطع الليل المظلم، يكون فيها المؤمن حيران لا يعلم صحتها من كذبها، يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً.

 

لقد انبرى هذا الشيخ الجليل في البحث والتدبر في هذه الطامة الكبرى والظلمة الحالكة إذا أخرج يده لم يكد يراها، فهل إلى نور من سبيل؟ حتى فتح الله عليه بأن غياب الخلافة هو السبب لكل هذه المصائب والبلايا، ولا منقذ ولا مخرج ولا سبيل إلا بعودتها خلافة على منهاج النبوة. وهنا تجلى إبداعه وتفكيره في تصوير الخلافة من خلال سبر أغوار القرآن الكريم وسنة نبينا المطهرة وسيرته طوال 23 عاماً قضاها في المرحلتين (مكة والمدينة) حتى أقيمت الدولة الإسلامية، والتي أزاحت ستار الجاهلية عن الجزيرة العربية، ثم انطلقت لتزيل حقبة الطاغوت عن باقي أقطار الدنيا.

 

لقد جسد الصحابة رضوان الله عليهم تثبيت أركانها في الأرض عملياً، مختصرين فهم الفكرة وطريقتها بجملة قالها ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس: "اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ". لذا جسد صورة الدولة الإسلامية بمفهومها العام والخاص بمشروع مسطور وكتب تعتمد على أحكام شرعية مستنبطة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ومن اطلع عليها رأى صورة الخلافة المنشودة والغاية الموعودة بأجمل وأعظم صورة.

 

فإلى هذه الغاية التي تبرئ الذمة وتنجي من يتلبس بالعمل من أجل تحقيقها أمام الله سبحانه وتعالى؛ وهي كائنة لا محالة، ولا يقف في وجه تحقيقها إلا منافق معلوم النفاق، أو كافر غارق بكفره، أو منتفع من دنيا غيره بائع لدينه وآخرته، ندعوكم أيها المسلمون.

 

اللهم استخدمنا لهذا العمل حتى نلقاك وأنت راض عنا، وجنبنا شرور أنفسنا ووساوس الشيطان، وارزقنا الثبات على ذلك حتى الممات؛ فقد أنبأ الصادق المصدوق بأن ذلك كائن لا محالة حيث قال ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ». وإننا نرى ونلمس إرهاصاتها وعلامات اقتراب زمانها وأوانها تظهر جلية لا لبس فيها، ومنها: سقوط الرأسمالية وضعفها، وتصارع الشعوب في الغرب مع المبدأ الذي كانت تدين به، بل تجرؤ الحكام حماة الرأسمالية وفصل الدين عن الحياة، تجرؤهم على الاستشهاد بنصوص أديانهم وإعلانهم عن تجدد الحروب الصليبية، ما يعني كفرهم بمبدئهم الذي آمنوا به وقاتلوا من أجله عقودا، وأجبروا الشعوب وألزموهم به وبثقافته، ما يعني أنهم ينتفضون على مبدأ سبّب لهم الخراب والفساد والإفساد في الأرض، ولذلك فهي ليست زلات ألسنة أو سقطات غير مقصودة، وإنما تنبئ عما تكنه صدورهم وما تخفيه. وإنهم ليرونه بعيداً ونراه قريب، أليس الصبح بقريب؟ وفجر الخلافة أصبح بإذن الله قاب قوسين أو أدنى إن شاء الله، ونرجو أن نكون من شهوده.

 

بقلم: الأستاذ سالم أبو سبيتان

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع