بيان صحفي اعتقال 200 عضو من حزب التحرير في
- نشر في باكستان
- قيم الموضوع
- قراءة: 1349 مرات
الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، الحمد لله الذي جعل الليل والنهار آيتين فمحى آية الليل، وجعل آية النهار مبصرة لنبتغي فضلاً من ربنا، ولنعلم عدد السنين والحساب وكل شيء فصله تفصيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم فصلّ عليه وآله وسلم تسليماً كثيراً... أما بعد،
يقول المولى عز وجل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) [المائدة: 3]، وقال عز وجل: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 89]. في هاتين الآيتين الكريمتين يُبّن لنا المولى سبحانه وتعالى إكمال دينه وتبيانه لنا لكل شيء، فدين الإسلام شمل لنا تنظيم كل علاقاتنا، وبناءً على ذلك يمكن أن يعرَّف الإسلام بأنه الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، لتنظيم علاقة الإنسان بخالقه ونفسه، وغيره من بني الإنسان؛ وعلاقة الإنسان بخالقه تشمُلُ العقائد والعبادات، وعلاقة الإنسان بنفسه تشمل الأخلاق والمطعومات والملبوسات، وعلاقته بغيره من بني الإنسان تشمل المعاملات والعقوبات. وهذه العلاقات كلها إذا لم ننظمها كما أمر الشرع لا تكون حياتنا حياة إسلامية، فهناك عقيدة وشرائع وأحكام مفصّلة يجب الالتزام بها دون التفريط فيها، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 208]. وقد جعل الشرع عقوبات لمن يخالف النظام الشرعي، حيث ان المجتمع يكون سائراً بنظام الإسلام في كل شيء، وعندما يشذ أحد أفراد الأمة عن النظام فإن العقوبات تكون رادعة وزاجرة له ومطهرة لذنبه. ولكن العقوبات لا تستقيم مع غياب نظام الإسلام، فالعقوبات أحكام قليلة جداً بالنسبة لنظام الإسلام ككل، فالبعض يفهم ديننا فهماً خاطئاً بأنه قطع وجلد وقصاص، فهذا ليس الإسلام، إنما الإسلام نظامه كاملاً ينفذ، فالعقوبات جزء يسير منه عند انفلات أحد من نظام الإسلام الذي اختاره الله عز وجل لنا لتنظيم حياتنا.
والآن يشكو كثير من الناس غياب تطبيق العقوبات الرادعة في الشارع العام مثلاً، أو في الحفلات الغنائية، فيعتبر البعض أن المشكلة تكمن فقط في عدم وجود عقوبات تطبق، مع أن المشكلة هي غياب نظام الإسلام، فمنه تطبيق العقوبات. فإذا أخذنا مثالاً واحداً يتعلق بالزي الشرعي للنساء في الشارع العام، كيف هو نظامنا الذي نعيش به؟ وأين هو من ديننا؟ فهل هو وفق ديننا أم غير ذلك؟ وهل هناك عقوبات شرعية مطبقة عليها لمخالفة الشرع؟ أو بمعنى آخر عندما خرجت نساؤنا وفتياتنا وبناتنا إلى الشارع العام، هل تقيدنا بالزي الشرعي؟ وهل كانت القوانين والنظم تبين ما هو الزي الشرعي للمرأة المسلمة بأدق تفاصيله أم تركت الأمر مبهماً وتركته للعرف.
نحن نجد الآن أيها الأحبة الكرام ما يحدث في الشارع العام لا يختلف عليه اثنان انه ليس زياً شرعياً، ولكن رغم ذلك نجد أن النظام العام أصبح يسمح بذلك، فلا اهتمام أصلاً، فأصبحت ما لا يقل عن 95% من النساء يخرجن إلى الشارع العام ويفتقدن شرطاً من شروط الزي الشرعي أو كل الشروط، وهي أولاً: أن يكون الزي ساتراً لكل العورة، والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: »يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ». وثانياً: أن تلبس المرأة ثوبين عندما تخرج للشارع العام وليس ثوباً واحداً. عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأضْحَى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»، رواه مسلم. والشرط الأخير: أن لا يكون في ذلك الزي تبرج - والتبرج هو إظهار الزينة مطلقاً - كأن يكون ضيقاً على الجسد. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لا أَرَاهُمَا بَعْدُ نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلاتٌ مُمِيلاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَرَيْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا...»
وعليه إذا خرجت المسلمة بلبسة واحدة وهي ساترة لعورتها ولم تلبس ثوباً آخر عليها تكون قد فقدت شرط الثوبين، كأن تلبس جلباباً أو ملحفة، وإذا لبست الثوبين وكان في لبسها تبرج بأن يكون ضيقاً، تكون ففقدت أيضاً شرطاً وعندها أيضاً لا يكون الزي شرعياً.
أيها المسلمون: إذا أخذنا هذه الجزئية فقط، وهي أنه ما لا يقل عن نسبة 95% يخرجن إلى الشارع العام ويقفتقدن شروط الزي الشرعي أو شرطاً إن ذلك ليدل على غياب نظام الإسلام عن حياتنا، فهذا سيسألنا الله عز وجل عنه، سيسألنا عن تطبيق الإسلام وعن ماذا فعلنا لأجله، فهذا ما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله وأمرنا الشرع بالتأسي به صلى الله عليه وسلم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وآله وصحبه الكرام النجباء، ومن تبعه بإحسان إلى يوم اللقاء وبعد،،،
أيها المسلمون: إذا نظرنا إلى العقوبات الموجودة نصاً في القانون الجنائي والمطبقة فعلاً، نجد أمراً عجيباً، حيث تقول المادة (152) ما يلي:
1- من يأتي في مكان عام فعلاً أو سلوكاً فاضحاً أو مخلاً للآداب العامة أو يتزيا بزي فاضح أو مخل للآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام، يعاقب بالجلد بما لا يتعدى أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معاً.
2- يُعد الفعل مخلاً للآداب العامة إذا كان ذلك معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل.
أيها المسلمون: نجد في هذه المادة عدة أمور يجب الانتباه لها أولها، أن المادة لم تبيّن الزي الشرعي الذي يجب أن تلبسه المرأة في الشارع العام، فكل يعتبر الزي محتشماً وفق ما يراه ووفق هواه وبالتالي يشكل تطبيق المادة أنها لم تحدد زياً يحتكم إليه الجميع. ثانياً: عندما فصّلت المادة الفعل المخل بالآداب ربطته بدين الفاعل أي إذا كان نصرانياً فإنه يفعل ما يراه في دينه، وهذا يؤدي إلى تطبيق الزي مثلاً على المسلمين فلا يطبق على غيرهم، وهذا سيجعل مشكلة كبرى منها التهاون مع عدم وضوع ما هو فاضح. ثالثاً: ربط الفعل المخل بالآداب بالعرف في البلد يجعله أيضاً بعيداً عن الإسلام، لأن العرف ليس شرعاً، والعرف يتغير بتغير سلوك الناس.
أيها المسلمون: لذلك نجد في قضية الصحفية المحاكمة بهذه المادة نفسها أنها تصرّ على أنها ترتدي زياً محتشماً وغير فاضح، فكل ينظر إلى الحشمة بزاوية مختلفة، ولكن الفيصل هو الإسلام الذي فصّل ونظّم ذلك، ولكن القانون يفتقد ذلك.
أيها المسلمون: يقول المولى سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرعد: 11]. وبالتالي فإن حياتنا لن تستقيم حتى يكون نظام الإسلام مطبقاً كاملاً بيننا، فنتقيد بأحكام الإسلام وأهلينا وأن نأطر بعضنا البعض أطراً على الإسلام، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وتكون كل القوانين والدستور فقط قائمة على أساس العقيدة فإلا فإن الله عز وجل سيسألنا كما سيسأل الرسل، قال تعالى: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) [الأعراف: 6].
عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ
جاء في فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قَوْله : ( وَعَلَيْهِ حُلَّة وَعَلَى غُلَامه حُلَّة )
هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر أَصْحَاب شُعْبَة عَنْهُ , لَكِنْ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ طَرِيق مُعَاذ عَنْ شُعْبَة " أَتَيْت أَبَا ذَرّ , فَإِذَا حُلَّة عَلَيْهِ مِنْهَا ثَوْب وَعَلَى عَبْده مِنْهَا ثَوْب " وَهَذَا يُوَافِق مَا فِي اللُّغَة أَنَّ الْحُلَّة ثَوْبَانِ مِنْ جِنْس وَاحِد , وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي رِوَايَة الْأَعْمَش عَنْ الْمَعْرُور عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب بِلَفْظِ " رَأَيْت عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامه بُرْدًا فَقُلْت : لَوْ أَخَذْت هَذَا فَلَبِسْته كَانَتْ حُلَّة " وَفِي رِوَايَة مُسْلِم " فَقُلْنَا : يَا أَبَا ذَرّ , لَوْ جَمَعْت بَيْنهمَا كَانَتْ حُلَّة " وَلِأَبِي دَاوُدَ " فَقَالَ الْقَوْم : يَا أَبَا ذَرّ , لَوْ أَخَذْت الَّذِي عَلَى غُلَامك فَجَعَلْته مَعَ الَّذِي عَلَيْك لَكَانَتْ حُلَّة " فَهَذَا مُوَافِق لِقَوْلِ أَهْل اللُّغَة ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَصِيرَانِ بِالْجَمْعِ بَيْنهمَا حُلَّة , وَلَوْ كَانَ كَمَا فِي الْأَصْل عَلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا حُلَّة لَكَانَ إِذَا جَمَعَهُمَا يَصِير عَلَيْهِ حُلَّتَانِ , وَيُمْكِن الْجَمْع بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ بُرْد جَيِّد تَحْته ثَوْب خَلِق مِنْ جِنْسه وَعَلَى غُلَامه كَذَلِكَ , وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لَوْ أَخَذْت الْبُرْد الْجَيِّد فَأَضَفْته إِلَى الْبُرْد الْجَيِّد الَّذِي عَلَيْك وَأَعْطَيْت الْغُلَام الْبُرْد الْخَلِق بَدَله لَكَانَتْ حُلَّة جَيِّدَة , فَتَلْتَئِم بِذَلِكَ الرِّوَايَتَانِ , وَيُحْمَل قَوْله فِي حَدِيث الْأَعْمَش " لَكَانَتْ حُلَّة " أَيْ : كَامِلَة الْجَوْدَة , فَالتَّنْكِير فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ نَقَلَ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنَّ الْحُلَّة لَا تَكُون إِلَّا ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ يَحُلّهُمَا مِنْ طَيّهمَا , فَأَفَادَ أَصْل تَسْمِيَة الْحُلَّة . وَغُلَام أَبِي ذَرّ الْمَذْكُور لَمْ يُسَمَّ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَبَا مُرَاوِح مَوْلَى أَبِي ذَرّ , وَحَدِيثه عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَذَكَرَ مُسْلِم فِي الْكُنَى أَنَّ اِسْمه سَعْد .
قَوْله : ( فَسَأَلْته )
أَيْ : عَنْ السَّبَب فِي إِلْبَاسه غُلَامه نَظِير لُبْسه ; لِأَنَّهُ عَلَى خِلَاف الْمَأْلُوف , فَأَجَابَهُ بِحِكَايَةِ الْقِصَّة الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ .
قَوْله : ( سَابَبْت )
فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ " شَاتَمْت " وَفِي الْأَدَب لِلْمُؤَلِّفِ " كَانَ بَيْنِي وَبَيْن رَجُل كَلَام " وَزَادَ مُسْلِم " مِنْ إِخْوَانِي " وَقِيلَ : إِنَّ الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ بِلَال الْمُؤَذِّن مَوْلَى أَبِي بَكْر , وَرَوَى ذَلِكَ الْوَلِيد بْنُ مُسْلِم مُنْقَطِعًا . وَمَعْنَى " سَابَبْت " وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنه سِبَاب بِالتَّخْفِيفِ , وَهُوَ مِنْ السَّبّ بِالتَّشْدِيدِ وَأَصْله الْقَطْع وَقِيلَ مَأْخُوذ مِنْ السَّبَّة وَهِيَ حَلْقَة الدُّبُر , سَمَّى الْفَاحِش مِنْ الْقَوْل بِالْفَاحِشِ مِنْ الْجَسَد , فَعَلَى الْأَوَّل الْمُرَاد قَطْع الْمَسْبُوب , وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَاد كَشْف عَوْرَته لِأَنَّ مِنْ شَأْن السَّابّ إِبْدَاء عَوْرَة الْمَسْبُوب .
قَوْله : ( فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ )
أَيْ : نَسَبْته إِلَى الْعَار , زَادَ فِي الْأَدَب " وَكَانَتْ أُمّه أَعْجَمِيَّة فَنِلْت مِنْهَا " وَفِي رِوَايَة " قُلْت لَهُ يَا اِبْن السَّوْدَاء " , وَالْأَعْجَمِيّ مَنْ لَا يُفْصِح بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ سَوَاء كَانَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا , وَالْفَاء فِي " فَعَيَّرْته " قِيلَ هِيَ تَفْسِيرِيَّة كَأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ التَّعْيِير هُوَ السَّبّ , وَالظَّاهِر أَنَّهُ وَقَعَ بَيْنهمَا سِبَاب وَزَادَ عَلَيْهِ التَّعْيِير فَتَكُون عَاطِفَة , وَيَدُلّ عَلَيْهِ رِوَايَة مُسْلِم قَالَ " أَعَيَّرْته بِأُمِّهِ ؟ فَقُلْت : مَنْ سَبَّ الرِّجَال سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمّه . قَالَ : إِنَّك اِمْرُؤٌ فِيك جَاهِلِيَّة " أَيْ : خَصْلَة مِنْ خِصَال الْجَاهِلِيَّة . وَيَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَبِي ذَرّ قَبْل أَنْ يَعْرِف تَحْرِيمه , فَكَانَتْ تِلْكَ الْخَصْلَة مِنْ خِصَال الْجَاهِلِيَّة بَاقِيَة عِنْده , فَلِهَذَا قَالَ كَمَا عِنْد الْمُؤَلِّف فِي الْأَدَب " قُلْت : عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَر السِّنّ ؟ قَالَ : نَعَمْ " كَأَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ خَفَاء ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ كِبَر سِنّه , فَبَيَّنَ لَهُ كَوْن هَذِهِ الْخَصْلَة مَذْمُومَة شَرْعًا , وَكَانَ بَعْد ذَلِكَ يُسَاوِي غُلَامه فِي الْمَلْبُوس وَغَيْره أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ , وَإِنْ كَانَ لَفْظ الْحَدِيث يَقْتَضِي اِشْتِرَاط الْمُوَاسَاة لَا الْمُسَاوَاة , وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّق بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ فِي كِتَاب الْعِتْق حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّف إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَفِي السِّيَاق دَلَالَة عَلَى جَوَاز تَعْدِيَة " عَيَّرْته " بِالْبَاءِ , وَقَدْ أَنْكَرَهُ اِبْن قُتَيْبَة وَتَبِعَهُ بَعْضهمْ , وَأَثْبَتَ آخَرُونَ أَنَّهَا لُغَة . وَقَدْ جَاءَ فِي سَبَب إِلْبَاس أَبِي ذَرّ غُلَامه مِثْل لُبْسه أَثَر مَرْفُوع أَصْرَح مِنْ هَذَا وَأَخَصّ , أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أَبَا ذَرّ عَبْدًا فَقَالَ " أَطْعِمْهُ مِمَّا تَأْكُل , وَأَلْبِسهُ مِمَّا تَلْبَس " وَكَانَ لِأَبِي ذَرٍّ ثَوْب فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ , فَأَعْطَى الْغُلَام نِصْفه , فَرَآهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه " أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ , وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ " قَالَ : نَعَمْ .
عقوبة التوبيخ: وهو إهانة المذنب بالقول. وقد ثبت التوبيخ بالسنة، كما جاء في الحديث. وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روي عن عمر أنه وبخ عبادة بن الصامت بأن قال له: " يا أحمق " وعلى هذا يجوز للقاضي أن يوبخ المذنب، ولا يكون ذلك شتماً من القاضي، وإنما يكون عقوبة يوقعها القاضي على المذنب، وليس لعقوبة التوبيخ لفظ معين، وإنما كل لفظ يعتبر من قبيل التوبيخ يصح استعماله من قبل القاضي والحاكم إلاّ الألفاظ التي تعتبر من قبيل القذف فلا يجوز استعمالها، لورود النهي عنها عامّاً فيشمل الحاكم وغيره.
وبه نستعين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
نص المادة (144):
( تجبى الجزية من الذميين, وتؤخذ على الرجال البالغين بقدر ما يحتملونها, ولا تؤخذ على النساء ولا على الأولاد).
عرفت الجزية بأنها: هي حق أوصل الله المسلمين اليه من الكفار, خضوعا منهم لحكم الإسلام, ويلتزم المسلمون للكفار الذين يعطون الجزية بالكف عنهم, والحماية لهم, ليكونوا بالكف آمنين, وبالحماية محروسين. ودليل الجزية في الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقد قال سبحانه وتعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29.
وأما السنة: (فقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم قُبل منه, وإلا ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة)، وتؤخذ على القادر من أهل الكتاب أي من اليهود والنصارى بدليل الآية السابقة (مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) عربا كانوا أم غير عرب, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذها من يهود اليمن ومن نصارى نجران, وفي الحديث عن عروة بن الزبير قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى أهل اليمن: (....ومن كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا يفتن عنها وعليه الجزية)، وعن أبن شهاب قال: (أول من أعطى الجزية أهل نجران, وكانوا نصارى) وأخذها أبو بكر من نصارى الحيرة وكانوا عربا, كما أخذها عمر من نصارى الشام من عرب وعجم .
وتؤخذ كذلك من غير أهل الكتاب من الصابئة والمجوس والهندوس والشيوعيين وأمثالهم, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذها من مجوس هجر, عن الحسن بن محمد قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام, فمن أسلم قُبل منه, ومن لا, ضربت عليه الجزية في أن لا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له إمراة, كما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك .
أما العرب من عبدة الأوثان: فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام, وإلا فالسيف, لقوله تعالى: {... فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...}التوبة5، وقوله سبحانه: {....سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ...}الفتح16، وكان هذا عام تبوك في السنة التاسعة للهجرة, وفيها نزلت سورة براءة, التي أوجبت الجزية على أهل الكتاب, وقتل المشركين من العرب من عبدة الأوثان، وقد انتهى وجودهم منذ السنة العاشرة للهجرة.
أما الأشخاص أو الفئات التي كانت مسلمة وارتدت عن الإسلام وهي موجودة اليوم في بلاد المسلمين, فإنه ينظر, فإن كانوا قد ولدوا من المرتدين, ولم يرتدوا هم أنفسهم, وإنما الذي ارتد آباؤهم أو أجدادهم أو أجداد أجدادهم, مثل الدروز والبهائيين والإسماعيليين والنصيرين الذين يؤلهون عليا كرم الله وجهه, فإنهم لايعاملون معاملة المرتدين, بل يعاملون معاملة المجوس والصابئة, فتضرب عليهم الجزية ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم, إلا إن جددوا إسلامهم ودخلوا في الإسلام. أما إن ارتدوا هم عن الإسلام ,كأن تحولوا إلى اليهودية أو النصرانية أو الشيوعية, أو إلى أية فكرة تنكر أن الإسلام دين منزل من عند الله, وتنكر أن محمدا رسول الله, اوتنكر أن الإسلام واجب التطبيق أو تنكر السنة أو غير ذلك مما يخرجهم عن الإسلام ,فإنهم يعاملون معاملة المرتدين سواء بسواء.
تؤخذ الجزية من الرجال العقلاء البالغين, ولا تؤخذ منصبي ولا مجنون ولا امرأة، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذا إلى اليمن (أمره أن يأخذ من كل حالم دينار ) رواه أبو داود .
وكتب عمر إلى أمراء الأجناد (أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على النساء والصبيان, ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى) أي البالغين, رواه أبو عبيد, فإذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون, وجب عليه الجزية, وتجب على الرهبان في أديرتهم ,وعلى أهل الصوامع وعلى المرضى وعلى العمى والشيوخ، إن كانوا من أهل اليسار, فآية الجزية تشملهم, أما إن كانوا فقراء فتسقط عنهم الجزية لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) البقرة 286, وروى أبو يوسف وأبو عبيد عن عمر بن الخطاب (أنه مر بشيخ من أهل الذمة يسأل أبواب الناس, فقال له ما ألجأك إلى ما أرى؟
قال الجزية والسن والحاجة, فقال له عمر: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك ) وأخذه إلى بيته, وأعطاه ما يقيته, ثم أرسله إلى خازن بيت المال, وأمره أن يسقط عنه الجزية, وأن يعطيه من بيت المال من غير الزكاة.
وتسقط الجزية عند إسلام الشخص, سواء أسلم في أول الحول أم في منتصفه أم في منتصفه أم بعد انقضائه, لقوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ..... }الأنفال38، ولما روي أبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على مسلم جزية)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام يجب ما كان قبله) رواه أحمد, وإذا كان الإسلام يهدم ما قبله من الشرك والكفر والمعاصي، فكيف لا يهدم الجزية وصغارها؟ والجزية لا تسقط بالموت، يعني إن مات الشخص بعد مرور الحول, فيجب عليه سدادها من تركته كبقية ديونه فإن لم يكن له تركه سقطت عنه, ولا يعفى الذمي من دفع الجزية حتى ولو كان جنديا متطوعا في الجيش الإسلامي يقاتل الكفار, طالما هو باق على كفره.
يختلف مقدار الجزية من مكان إلى أخر, فالرسول النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا عندما أرسله إلى اليمن ( أن يأخذ من كل حالم من أهل الذمة دينارا, أو عدله من المعافر) رواه أبو داود. وعمر رضي الله عنه فرض أهل الشام وأهل مصر على الغني منهم أربعة دنانير, وعلى المتوسط ديناران وعلى الفقير المتكسب دينارا, كما فرض عليهم فوق ذلك طعاما للجند, وضيافة للمسلمين, وفرض على أهل العراق ثمانية وأربعين درهما على الغني وأربعة وعشرين درهما على المتوسط, وأثنى عشر درهما على الفقير المتكسب.
يتبين من هذا أن مقدار الجزية ليس واحدا, وليس محددا بحد واحد ولا يجوز تعديه, بل ترك الشرع للخليفة أن يراعي فيه ناحية اليسار والضيق, بحيث لا يشق على أهل الذمة ولا يكلفهم فوق طاقتهم, فأهل الخبرة وكذلك العرف اللذان يرجع لهما الخليفة عند التقدير, فيعين من أهل الخبرة أشخاصا للتميز بين الأغنياء, والمتوسطين والفقراء, لوضع حدودها كي لا يظلم أهل الذمة ولا يظلم بيت المال فينتقصه حقه.
ويعمل سجل خاص لجميع أهل الذمة حسب أديانهم وفرقهم, يكون له مكان خاص في دائرة الجزية, يحوي جميع المعلومات اللازمة من تواريخ ميلادهم وأعمارهم وموتهم وحالتهم المالية ليكون تقدير أخذ الجزية على أساسه.
والجزية تستوفي بحلول الحول ويكون مرة في السنة, ويعين الحول بأول محرم وينتهي في آخر ذي الحجة, حتى يكون الحول محدد الأول والآخر للجميع, لا أن يكون لكل شخص حول خاص به, ويعين جباة خاصون لاستيفائها, ويمنعوا من أخذ ما يزيد عن مقدارها المفروض على الأشخاص, لأن الزيادة ظلم وغلول, والغلول في النار, ويمنع الجباة من ضرب أو تعذيب من يمتنع عن أدائها, لأن الرسول النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقد روى أبو يوسف عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب مرّ عن قوم وهو بطريق الشام, قد أقيموا في الشمس, يصب على رؤوسهم الزيت, فقال ما بال هؤلاء, فقالوا عليهم الجزية لم يؤدوها, فهم يعذبون حتى يؤدوها, فقال عمر فما يقولون هم, وما يعتذرون في الجزية؟ قالوا يقولون لا نجد, قال فدعوهم, لا تكلفوهم مالا يطيقون, فإني سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تعذبوا الناس, فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة) فَخُلي سبيلهم. فعلى المعسر منهم أن يأتي بالبينة على عسره, فإن أثبته يمهل إلى ميسرة, فإن لم يثبته وثبت أنه مماطل سجن وترك حتى يدفع الجزية.
والجزية تدفع بالذهب أو الفضة أو غير ذلك من عروض أو حيوان,، فقد أخذ معاذ بدلا عنها مغامرا أي ثيابا, ويجوز أن تجعل الجزية من النقد المتداول.
وإلى أن نلتقي في حلقة قادمة إن شاء الله نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو الصادق