- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الاتفاقية البحرية التركية الليبية
من ترسيم الحدود إلى إعادة رسم موازين القوة
لم تعد الزيارات المتكررة التي يقوم بها رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى ليبيا، ولا انتقال وزير الخارجية حقان فيدان بين طرابلس وبنغازي، مجرد حراك دبلوماسي في بلد أنهكته الحرب. فتركيا التي تدخلت عسكرياً عام 2019 لمنع سقوط حكومة طرابلس، باتت تعمل اليوم على بناء شبكة علاقات تمتد إلى شرق ليبيا، وتجمع بين السياسة والأمن والطاقة والاستثمار. وفي هذا التحول ما يشير إلى أن تركيا لا تريد أن تكون مجرد طرف في التسوية الليبية فحسب، بل شريكاً أساسيا في صياغة قواعدها.
وقد كشفت زيارة قالن إلى بنغازي في آب/أغسطس 2025، ولقاءاته مع خليفة حفتر ونجليه صدام وبلقاسم، عن انتقال العلاقات إلى مرحلة جديدة. ثم جاء لقاؤه صدام حفتر مجدداً في حزيران/يونيو 2026، بالتوازي مع انفتاح دبلوماسي تركي على المؤسستين السياسية والعسكرية في الشرق والغرب. ولم يكن مصادفة أن يتزامن هذا المسار مع تقارب في ملفات الطاقة والتعاون العسكري، ومع موافقة مجلس النواب الليبي في الشرق، في تشرين الأول/أكتوبر 2026، على الاتفاقية البحرية التي وقعتها حكومة السراج مع تركيا عام 2019، في تحد واضح للمواقف الأوروبية الرافضة لهذه الاتفاقية. (رويترز، 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026)
أولاً: الموقع البحري... من ليبيا إلى شرق المتوسط
تحتل ليبيا موقعاً بالغ الأهمية على الساحل الجنوبي للمتوسط، مقابل اليونان وإيطاليا، وبالقرب من طرق التجارة والطاقة التي تربط شمال أفريقيا بأوروبا. ومن هنا تكتسب الاتفاقية البحرية التركية الليبية أهميتها، فهي تسعى إلى تثبيت تصور تركي لترسيم المناطق البحرية، يربط بين الساحلين التركي والليبي، ويعزز موقف أنقرة في مواجهة الترتيبات التي أقامتها اليونان وقبرص ومصر.
ولا يتعلق الأمر بخطوط على الخريطة فحسب، بل بما يمكن أن يترتب عليها من حقوق استكشاف الغاز والنفط، ومجالات النفوذ البحري، والقدرة على التأثير في مشروعات نقل الطاقة إلى أوروبا. ولذلك فإن سعي تركيا إلى كسب موافقة شرق ليبيا على الاتفاقية يندرج في إطار تثبيت مكسب استراتيجي يتجاوز حكومة طرابلس التي وقعتها أصلاً. (مركز الدراسات الشرقية، كانون الأول/ديسمبر 2025).
ثانياً: الطاقة والاقتصاد... تحويل النفوذ السياسي إلى مصالح دائمة
لا تستطيع القوة العسكرية وحدها ضمان النفوذ طويل الأمد، ولذلك تعمل تركيا على ربط حضورها الأمني بمصالح اقتصادية يصعب فصلها عن مستقبل الدولة الليبية. في شباط/فبراير 2026، فازت شركة البترول التركية، بالشراكة مع ريبسول الإسبانية ومول المجرية، بحقوق استكشاف في منطقة بحرية ليبية تبلغ مساحتها أكثر من عشرة آلاف كيلومتر مربع شمال غربي بنغازي. وفي حزيران/يونيو 2026 وُقّعت اتفاقية تقاسم إنتاج بين الشركات المشاركة للانتقال إلى مراحل الاستكشاف.
إلى جانب الطاقة، تمتلك الشركات التركية خبرة واسعة في الإنشاءات والمطارات والطرق والمستشفيات والإسكان، وتطمح إلى استعادة عقود إعادة الإعمار والتوسع في شرق ليبيا، بعدما ارتبط حضورها الاقتصادي طويلاً بغرب البلاد. ويتيح التقارب مع عائلة حفتر ومؤسسات الشرق فرصاً جديدة للشركات التركية، فيما تحتاج السلطات الليبية إلى التمويل والخبرة والمقاولين لإعادة بناء المدن والبنية التحتية.
وهكذا، يتحول النفوذ الأمني إلى بوابة للمصالح الاقتصادية، وتغدو الاستثمارات أدوات لترسيخ النفوذ السياسي، في دائرة متبادلة تتعزز فيها المصالح الاقتصادية بأوراق القوة، وتُترجم فيها الشراكات الأمنية إلى مكاسب استراتيجية تتجاوز قيمتها المالية.
ثالثاً: الأمن والدفاع... من القواعد العسكرية إلى إعادة تشكيل التوازن الليبي
يمثل الأمن الحلقة الأكثر حساسية في الاستراتيجية التركية. فقد أنشأت أنقرة، بموجب تفاهماتها مع حكومة طرابلس، حضوراً عسكرياً وتدريبياً في مواقع ليبية مهمة، أبرزها قاعدة الوطية الجوية ومرافق مصراتة الجوية والبحرية، إلى جانب مراكز التدريب. كما مدّد البرلمان التركي في كانون الأول/ديسمبر 2025 تفويض نشر القوات في ليبيا لعامين إضافيين، حتى 2028. بل لقد أعلنت وزارة الدفاع التركية في نيسان/أبريل 2026 استمرار برامج التدريب والاستشارات والدعم الفني، وقالت إن أكثر من 23 ألف عسكري ليبي تلقوا التدريب في تركيا وليبيا.
غير أن التحول الأهم لا يكمن في استمرار الوجود التركي غرباً، بل في فتح قنوات التعاون مع قوات حفتر في الشرق. فقد رافقت زيارة قالن إلى بنغازي في آب/أغسطس 2025 زيارة سفينة حربية تركية وإجراء تدريبات بحرية مشتركة، ثم تواصلت اللقاءات العسكرية والأمنية. وفي تموز/يوليو 2026، أشارت تقارير إلى بحث تطوير مرافق عسكرية وأنظمة مراقبة وتدريب ضباط من الشرق، وإن لم تعلن أنقرة وشرق ليبيا اتفاقاً نهائياً لإنشاء قواعد تركية جديدة هناك. (الجزيرة، 20 تموز/يوليو 2026).
ومع ذلك، فإن توسيع التعاون العسكري والتدريب والاستشارات الدفاعية يمنح أنقرة أدوات مؤثرة في إعادة تشكيل المؤسسات الأمنية وموازين القوة في ليبيا، دون أن تضطر بالضرورة إلى الاستعانة بشركات خاصة، مثل شركة سادات التركية للاستشارات الدفاعية، التي ارتبط اسمها بتقارير عن الاستعانة بخدماتها في مراحل سابقة من الصراع الليبي. وإذا استمر التقارب مع الشرق والغرب، فقد تجد تركيا نفسها في موقع يسمح لها بالتواصل مع الطرفين والتأثير في ترتيبات توحيد الجيش.
رابعاً: النفوذ الإقليمي... تركيا بين أوروبا وشمال أفريقيا وشرق المتوسط
تمنح ليبيا تركيا عمقاً استراتيجياً في شمال أفريقيا، ومنصة للتأثير في ملفات تتجاوز حدودها. فمن جهة، تستطيع أنقرة استخدام موقعها البحري وعلاقاتها الليبية في التفاوض مع أوروبا بشأن الطاقة والملاحة والهجرة. ومن جهة أخرى، يتيح حضورها العسكري والاقتصادي منافسة النفوذ الروسي والأوروبي، مع استمرار التنافس والتعاون المتداخلين مع مصر التي تراجع دورها في الملف الليبي.
كما أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها تتبع سياسة خارجية تمنحها هامشاً واسعاً للتحرك المستقل. فهي تتعاون مع الولايات المتحدة في كبرى الملفات، وتنافس روسيا في بعض الساحات وتتفاوض معها في ساحات أخرى. ومن هنا تصبح ليبيا مجالاً تتقاطع فيه مصالح قوى متعددة، لا مجرد ساحة مواجهة تركية أوروبية.
أما تونس والجزائر، فالتحدي بالنسبة إليهما هو ألا تتحول التحولات الليبية إلى ترتيبات أمنية واقتصادية تُصاغ خارجياً من دون مشاركة مغاربية فاعلة. وبالنسبة لتونس تحديداً، فإن استقرار ليبيا، وأمن الحدود، والتجارة، وحركة الأشخاص، وموازين القوة في وسط المتوسط، مسائل تمس مصالحها مباشرة. لكن فهم عمق هذه التحولات يتطلب استدعاء الفكرة الإسلامية، من أجل تحديد السياسة وحماية السيادة والاستثمار في الموقع الجغرافي والعمق الاستراتيجي للأمة.
توحيد ليبيا، أم توحيد الأمة؟
يبدو أن تركيا بنسختها الحالية مصرة على استغلال إرثها العثماني وثوبها العلماني لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية، دون العودة إلى حاضنتها الطبيعية. وتكشف التحركات التركية، التي تتخفّى وراء شعار توحيد ليبيا، عن استراتيجية متكاملة لتكريس نفوذ طويل الأمد، توظّف الموقع البحري والطاقة والاستثمارات الاقتصادية والحضور العسكري لتحقيق مصالح أنقرة الإقليمية.
لكن التحدي الأعمق أمام بلاد المغرب الإسلامي ليس مجرّد منافسة القوى الخارجية، بل الانتقال من التبعية لتوازناتها إلى امتلاك زمام المبادرة، عبر مشروع حضاري إسلامي جامع يعبّئ طاقات الأمة، ويوحّد مواردها، ويستثمر عمقها الاستراتيجي في بناء نظام نابع من عقيدة الأمة الإسلامية. فبدل أن تظل الجغرافيا المغاربية ساحةً لتقاطع المصالح الأجنبية، يمكن أن تصبح قاعدةً لاستعادة الإرادة المستقلة وصناعة المستقبل. وهنا لا تكون دول شمال أفريقيا مطمعا لقوى الشرق والغرب، بل فرصة لتحويل روابط التاريخ والحضارة والإسلام مع تركيا من إرث مشترك إلى مشروع نهضوي فاعل، يحقق وعد الله سبحانه وبشرى نبيه ﷺ بخلافة راشدة على منهاج النبوة. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش



